لم يعد التصعيد الإيراني مجرّد خطاب تعبوي موجّه للاستهلاك الداخلي، بل بات جزءًا من آلية حكم تُدار عبر رفع السقف الكلامي كلّما ضاق هامش المناورة السياسية. فمنذ أشهر، تتوالى التصريحات الإيرانية بلهجة توحي بأن طهران تقف على عتبة مواجهة كبرى، وأنها تملك أدوات ردع كافية لفرض شروطها أو تعديل قواعد الاشتباك. غير أن قراءة هادئة لمسار الأحداث تُظهر مفارقة ثابتة: كلّما ارتفعت النبرة، تبيّن أن القدرة الفعلية على ترجمة هذا الكلام إلى معادلة ميدانية متماسكة تبقى محدودة، وأن الخطاب يُستخدم غالبًا كتعويض سياسي عن اختلال ميزان القوى، لا كتعبير عن قوة صلبة قائمة بذاتها.
ولا يقتصر هذا التناقض على الفجوة بين الخطاب والقدرة، بل يمتد إلى جوهر الرواية التي يبني عليها النظام الإيراني سرديته حول الاعتماد على الذات. فالإصرار على تقديم المنجز العسكري والتقني بوصفه دليلًا على تفوّق ذاتي، يصطدم بحقيقة أن جزءًا أساسيًا من تطوير القدرات الإيرانية قام على مسارات غير تقليدية: نقل معرفة، هندسة عكسية، وتراكمات تقنية مستخلصة من معدات غربية سقطت أو وُضعت خارج الخدمة في مراحل سابقة. ويكفي التذكير بمسيّرات "شاهد" التي تحوّلت إلى رمز للقوة الإيرانية في الخطاب الرسمي، فيما تعود نشأتها، وفق روايات متداولة حتى في الإعلام المقرّب من طهران، إلى تفكيك مسيّرة أميركية، ثمّ استنساخها وتطويرها تدريجيًا. وفي كلّ مرّة يُقدّم هذا المسار كإنجاز سيادي مكتمل، يبرز السؤال نفسه: هل نحن أمام بناء ردع مستدام قائم على ابتكار ذاتي، أم أمام تضخيم إعلامي لقدرات مستنسخة تُستخدم سياسيًا أكثر مِمّا تُستخدم استراتيجيًا؟
يتزامن هذا الخطاب مع موجة تصعيد كلامي صدرت عن مؤسسات القرار الإيرانية، حيث تُستخدم مفردات الردع، والقدرة الهجومية، والمعركة المفتوحة. غير أن الوقائع الميدانية القريبة نسفت عمليًا، هذه السردية. فقد أظهرت العمليات العسكرية الأخيرة كيف تمكّنت إسرائيل من فرض سيطرة جوية شبه كاملة فوق الأراضي الإيرانية، من دون أن تنجح منظومات الدفاع الجوي في منع الاختراق أو تغيير مسار "الاشتباك". وهو ما يطرح سؤالًا بديهيًا: إذا كانت إيران عاجزة عن فرض معادلة ردع فعّالة في مواجهة إسرائيل، فكيف يمكن تصديق خطابها التصعيدي عندما يكون الخصم المفترض هو الولايات المتحدة، صاحبة التفوّق العسكري والتكنولوجي الساحق؟
في هذا السياق، يتضح أن الحديث عن ردع متبادل أو توازن رعب لا يستند إلى أسس واقعية بقدر ما يُستخدم كأداة سياسية داخلية. فواشنطن اليوم تفرض شروطها بوضوح، وتدير مسار التفاوض من موقع القوة، بينما يتصرّف النظام الإيراني كمن يحاول تعويض ضعفه العملي برفع سقف الخطاب. صحيح أن المفاوضات لا تزال قائمة، لكن الصحيح أيضًا أنها تجرى ضمن إطار أميركي صارم لا يترك لطهران سوى هامش مناورة محدود، مهما ارتفعت حدة التصريحات أو تعددت التهديدات.
واللافت أن هذا المسار التفاوضي شهد تحوّلًا نوعيًا، تمثل بالانتقال من قنوات غير مباشرة إلى تواصل شبه مباشر وصل إلى حدّ المصافحة العلنية بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وعراقجي. مصافحة تختصر التناقض المركزي في الخطاب الإيراني: من جهة، شيطنة الولايات المتحدة في الداخل تحت عنوان "الشيطان الأكبر"، وشيطنة الإيرانيين المتعطشين لعيش حياة كريمة، ومن جهة أخرى، التعامل معها كشريك تفاوضي مباشر في الخارج. وهذا التحوّل لا يمكن فصله عن حقيقة أساسية، وهي أن بقاء النظام الإيراني حتى اليوم مرتبط في أحد أبعاده بقرار أميركي بعدم الذهاب إلى خيار إسقاطه، لا بقدرة طهران على فرض كلفة استراتيجية حقيقية على واشنطن.
من هنا، تبرز المعضلة الأخلاقية والسياسية الأعمق. لماذا يستمرّ النظام في التصعيد العسكري الكلامي إذا كانت نهايات التفاوض معروفة سلفًا؟ ولماذا يُدفع الشعب الإيراني إلى تحمّل كلفة العقوبات، والقمع، وتدهور المعيشة، تحت شعار مواجهة "الشيطان الأكبر"، في وقت يتبيّن أن هذا "الشيطان" نفسه هو الطرف الجالس إلى طاولة التفاوض، والضامن غير المعلن لاستمرار المعادلة القائمة؟
إن التصعيد الإيراني، في جوهره، لم يعد موجّهًا إلى الخارج بقدر ما هو موجّه إلى الداخل. خطاب يُستخدم لتثبيت السلطة، لا لبناء ردع فعلي، ولتبرير الإخفاق الاقتصادي والسياسي، لا لمواجهة تهديد وجودي. وفي هذه الفجوة بين الخطاب والواقع، يسقط وهم القوّة، وتظهر حقيقة نظام يرفع صوته عاليًا، فيما قراراته المصيرية تُدار على إيقاع موازين قوى لا يملك تغييرها.