جاد حداد

Mudbound... دعوة إلى العدالة والتعاطف

5 دقائق للقراءة

يسرد فيلم Mudbound (موحل) المقتبس من رواية قصة عائلتَين تعيشان بصعوبة في الأرض نفسها. تبرع المخرجة دي ريز في دراسة الشخصيات التي تقدّمها وتملأ الشاشة بمؤثرات بصرية قوية بقدر العواطف التي تستخرجها من الممثلين الممتازين أمام الكاميرا. يدخل الفيلم في خانة الميلودراما الثقيلة، وهو نوع قادر على منع تسلل الملل إلى المشاهدين.

تتمحور الأحداث حول عائلتَين: عائلة "جاكسون" السوداء، وعائلة "ماكالان" البيضاء. يضطر رب الأسرة "هنري ماكالان" (جايسون كلارك) للتواصل مع عائلة "جاكسون" بعد إبرام صفقة لشراء أرض لا يملكها بائعها قانونياً. يشعر "هنري" بإحراج مضاعف بسبب مواقف والده العنصري "بابي" (جوناثان بانكس) واضطراره للانتقال إلى منطقة مخصصة لطبقة أقل مستوى من أصحاب البشرة البيضاء. يتذكر "هنري" تدهور مكانته الاجتماعية طوال الوقت بسبب ظهور "فيرا أتوود" (لوسي فوست) المتكرر في حياته: إنها امرأة بيضاء فقيرة يعتبرها "هنري" أدنى مستوى منه. تكون "فيرا" بالنسبة إليه شبح المستقبل في عيد الميلاد وتُذكّره بأنه على بُعد خطأ واحد من حياتها البائسة. لهذه الأسباب، يكره "هنري" الأرض التي يقيم فيها.

في المقابل، يعتبر القس "هاب جاكسون" (روب مورغان) قطعة الأرض الصغيرة التي يملكها هبة من الله ونعمة كفيلة برفع مكانته بعدما كان أسلافه يعجزون عن امتلاك الأراضي. اعتاد "هاب" على التنعم بأبسط المكاسب بما أنه جزء من الأميركيين السود في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كان "هاب" محارباً مخضرماً في الحرب وقد حوّل غضبه إلى درع خارجي قوي لا يمكن اختراقه ووحدها زوجته الحنونة "فلورانس" (ماري بليج) تعرف نقاط ضعفه.



"هنري" متزوج من "لورا" (كاري موليغان) ويسهل أن نستنتج من خلال قصتها أن الفيلم يقدم شخصياته عبر عالمَين متوازيَين. تكون "فلورانس" شريكة "لورا" في هذا النظام، فهي أم أيضاً وتتقبل دورها الاجتماعي الذي يفرض عليها الرضوخ لزوجها. لكن سرعان ما تتمرد "فلورانس" و"لورا" على هذا الوضع عبر عصيان زوجَيهما. هما تتقاسمان أيضاً لحظة حزينة تقوّي الرابط بينهما. تتعامل "فلورانس" مع "لورا" وكأنها ابنتها بما أنها الأكبر بينهما.

لا يمرّ أب الأسرة الأكبر "بابي" بأي مناجاة داخلية لأنه شخص سطحي. كان صوته الداخلي ليبدو عنصرياً وفاسداً ومثيراً للاشمئزاز بقدر العبارات التي يتفوه بها أمام الجميع. لكن ينجح الممثل جوناثان بانكس في إعطاء طابع مركّب لهذه الشخصية، فيبدو خطيراً ومخيفاً بما يكفي لمنع "هنري" من تغيير آرائه في المسائل العنصرية. يبقى "هنري" محكوماً بتاريخ والده بسبب شعوره بالذنب، لكن ينجح شقيقه "جيمي" (غاريت هيدلوند) في الهرب من هذه الأجواء لفترة طويلة بما يكفي كي يتغير داخلياً ويبدّل طريقة تعامله مع أصحاب البشرة السوداء. لكن كانت الحرب العالمية الثانية المنفذ الذي سمح له بالهرب لسوء الحظ.

على صعيد آخر شارك ابن "فلورانس"، "رونسيل" (جايسون ميتشل)، في الحرب العالمية الثانية بدوره وحارب الألمان وأصبح عشيق امرأة ألمانية يقابلها في الخارج. هو يعود إلى بلدٍ يرفض شكره على خدمته العسكرية ويتوقع منه أيضاً أن يصبح مواطناً من الدرجة الثانية مجدداً بعد رجوعه إلى الأراضي الأميركية. يسهل أن نلاحظ أن طريقة التعامل مع "رونسيل" في بلد العدو كانت أفضل من تعامل بلده معه. يسلّط الفيلم الضوء على هذه الفكرة مرتين في نهاية القصة. تعكس مشاهد "رونسيل" مع سكان البلدة البيض نسخة من الولايات المتحدة التي يريد بعض الناخبين اليوم العودة إليها.

تنقسم معظم أحداث الفيلم بين عالمَين متوازيين لكن يكون "رونسيل" الشخصية الوحيدة التي تتقاسم نقاطاً معينة مع الشخصيات الأخرى. على غرار "فلورانس"، يتمتع هذا الشاب بجانب لطيف وعنيد في آن، ويتّضح هذا الجزء من شخصيته في مشهد مدهش حيث يشتري لوح شوكولا لوالدته. حين تستعد "فلورانس" لكسر اللوح لتوزيعه على أولادها الآخرين، يطلب منها "رونسيل" أن تحتفظ به كله لنفسها، وكأنه يقول لها: تذوقي طعم الحرية بنفسك، مثلما كنتُ أنا حراً خلال خدمتي العسكرية! إنها لحظة بسيطة لكن عميقة جداً ويعجّ الفيلم بلحظات مماثلة.

يتّسم الفيلم بطاقم ممتاز من الممثلين، لكن لا بد من التنويه بأداء ماري بليج وجايسون ميتشل وغاريت هيدلوند تحديداً. يذكّرنا أداء هيدلوند الماكر بجاذبية ممثلين مثل إيرول فلين وجيمس دين، وكان ليصبح خياراً ممتازاً أمام كاميرا المخرج الراحل جورج ستيفنز أو على وقع موسيقى الملحن إيريك ولفغانغ كورنغولد. ماري بليج هي أهم اكتشاف في هذا الفيلم ويستحق ميتشل تقديم آخر مناجاة فردية داخلية في القصة، وهي عبارة عن تأمّل هادئ وجميل ومرير ومؤثر حول أهمية تفضيل الحب على الكره. يثبت هذا المشهد أن "رونسيل" هو بطل الفيلم الحقيقي.

في النهاية، يُقال إن الأفلام هي آلات لإنتاج التعاطف ولا شك في أن المشاهدين من مختلف الانتماءات العرقية سيجدون ما يجذبهم إلى فيلم Mudbound. حتى أن هذا العمل قد يتحدى أفكار البعض أو يُغنيها. لقد ابتكرت المخرجة دي ريز وفريقها تحفة فنية تنادي بالعدالة والتعاطف. قد لا يكون هذا الفيلم سهلاً وبسيطاً، لكنه بالغ الأهمية!