الدكتور سايد حرقص

من بداية صعود النفوذ إلى بداية سقوط الوهم

5 دقائق للقراءة

لفهم التحوّلات العميقة التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين، لا يكفي الاكتفاء بتتبع الوقائع العسكرية أو الخطابات الأيديولوجية الظاهرة. فوفق رؤية الكاتب الإيراني–الأميركي فالي نصر، تمثّل هذه التحوّلات نتاج مسار تاريخي–سياسي طويل، تتقاطع فيه الهوية المذهبية مع عقل الدولة الاستراتيجي. بين كتابه "صحوة الشيعة" الذي صدر في أعقاب الزلزال الذي أحدثه الامركيون في العراق سنة 2003، وكتابه الأحدث الاستراتيجية الكبرى لإيران الذي صدر سنة 2024، يقدّم نصر إطارًا تفسيريًا متماسكًا يربط بين صعود الشيعة إقليميًا، وتحول إيران إلى لاعب محوري في إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط. غير أن هذا الإطار، عند إسقاطه على الحالة اللبنانية اليوم، يكشف حدود المشروع الإيراني ونقطة انكساره.

يرى نصر أن الغزو الأميركي للعراق عام 2003 لم يُسقط نظامًا سياسيًا فحسب، بل فكّك بنية توازن تاريخية قامت على تهميش الشيعة سياسيًا في المشرق العربي منذ أن انهى صلاح الدين الأيوبي الدولة الفاطمية سنة1171. هذا التحوّل أطلق ما سمّاه «الصحوة الشيعية»، أي انتقال الشيعة من موقع الجماعات المهمّشة إلى موقع الفاعل السياسي، خصوصًا في العراق ولبنان، ولاحقًا في اليمن والبحرين والسعودية وحتى باكستان.

لكن هذه «الصحوة»، بحسب فالي نصر، لم تكن مشروعًا إيرانيًا مُسبق التخطيط بقدر ما كانت نتيجة فراغٍ استراتيجي أحدثته السياسات الأميركية في المنطقة. غير أنّ هذا التصوّر لا يبدو دقيقًا بالكامل. فإيران، بحكم الجغرافيا والتاريخ والبعد المذهبي، لم تكن فقط الأكثر قدرة على استثمار نتائج هذا الفراغ وتحويله إلى نفوذ سياسي وأمني متراكم، بل كانت تمتلك، في الأصل، تصوّرًا مبكرًا لدورٍ إقليمي يتجاوز حدودها.

ففي عام 1985، وخلال «الملتقى العالمي للفكر الإسلامي» في طهران، طُرحت بحسب رواية المفكّر سعود المولى الذي كان حاضرًا,فكرة تأسيس تنظيم «حزب الله» في لبنان على الإمام محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله، وذلك من قبل الرئيس الإيراني آنذاك علي خامنئي (المرشد الحالي) والسفير الإيراني في سوريا علي أكبر محتشمي، الذي يُعدّ المؤسس الفعلي لـ«حزب الله». وقد قوبلت الفكرة حينها برفض الإمام شمس الدين، ما يدلّ على أنّ المشروع الإيراني كان مطروحًا في وقتٍ مبكر، وإن لم تتوافر له بعد الشروط السياسية والإقليمية اللازمة للتنفيذ الكامل.

من هنا، يمكن القول إن تدمير الولايات المتحدة للعراق عام 2003 لم يُنشئ المشروع الإيراني بقدر ما وفّر له البيئة المناسبة، وساهم في تسريع تفعيله وتوسيع نطاقه. فالفراغ الذي خلّفه انهيار الدولة العراقية أتاح لإيران الانتقال من مرحلة التصوّر والتخطيط إلى مرحلة التطبيق العملي، مستندةً إلى شبكات مذهبية وتنظيمية كانت قد عملت على بنائها تدريجيًا منذ الثمانينيات.

في صحوة الشيعة، يركّز نصر على كيفية تحوّل المظلومية التاريخية إلى وعي سياسي عابر للحدود. أما في الاستراتيجية الكبرى لإيران، فينتقل التحليل من المجتمع إلى الدولة، ومن الهوية إلى القرار الاستراتيجي.

هنا يوضح الكاتب أن إيران لم تتصرّف كدولة ثورية، بل كدولة تراكم نفوذها بصبر، وتهدف إلى منع تطويقها أمنيًا،

ونقل خطوط المواجهة إلى خارج حدودها عبر استخدام اذرعها في دول أخرى. وبذلك تصبح الصحوة الشيعية وسيلة ضمن استراتيجية أوسع، لا مشروعًا مذهبيًا مستقلًا.

يفسّر نصر أن انهيار أو إضعاف الدولة الوطنية في العراق وسوريا ولبنان واليمن وفّر بيئة مثالية للاستراتيجية الإيرانية. فبدل الحروب التقليدية، اعتمدت طهران على قوى محلية متجذّرة اجتماعيًا، تمتلك تمثيلا طائفيا داخل دول شبه منهارة.

في هذا السياق، لم يكن «محور المقاومة» تكتلًا أيديولوجيًا صرفًا، بل شبكة نفوذ وظيفية هدفها الردع، وإدارة الصراع من دون حسم.

تُظهر التطورات الأخيرة بعد عملية طوفان الأقصى، أن الاستراتيجية الإيرانية بلغت نقطة اصطدامها المباشر مع الاستراتيجية الصهيونية. فخلافًا لمنطق «إدارة الصراع» الذي انتهجته طهران، اختارت إسرائيل استراتيجية التفكيك والحسم التدريجي، مستفيدة من تفوقها العسكري، والدعم الغربي.

في هذا السياق، لم تؤدِّ حرب الإسناد إلى تعزيز الردع، بل إلى استنزاف شامل. فقد تعرضت ايران لهجوم مدمر وخسر حزب الله جزءًا أساسيًا من قدرته القتالية. والأهم أنه فقد هيمنته السياسية الداخلية، بعدما تحوّل من قوة يُخشى صدامها إلى عبء يُحمَّل مسؤولية الانهيار والحرب معًا.

إذا كانت قراءة فالي نصر قد قدّمت الاستراتيجية الإيرانية بوصفها مشروعًا طويل النفس، يقوم على الردع غير المباشر وتفادي الحروب الشاملة، فإن ما وصل إليه لبنان اليوم يكشف الحدود القصوى لهذه الاستراتيجية عند اصطدامها باستراتيجية صهيونية تقوم على الحسم لا الاحتواء.

ففي الحالة اللبنانية، تحوّل حزب الله من أداة ردع إقليمي وظيفتها إبعاد الحرب عن إيران، إلى ساحة مواجهة مباشرة. وبعد حرب الإسناد، لم يعد الحزب قادرًا لا على فرض معادلات عسكرية، ولا على الاحتفاظ بتفوّقه السياسي الداخلي. بات أضعف قتاليًا، ومعزولًا سياسيًا، ومحاصرًا اجتماعيًا، فيما تُرك لبنان دولةً منهكة بلا حماية ولا سيادة.

أما إسرائيل، فقد نجحت في قلب معادلة الصراع: بدل أن تكون هي تحت ضغط الردع، بات لبنان وحزب الله تحت ضغط الاستنزاف. وهنا يظهر الفشل البنيوي للاستراتيجية الإيرانية:نجحت في بناء نفوذ، لكنها فشلت في حماية الدولة الحليفة؛ نجحت في إدارة الصراع، لكنها فشلت في منع تحوّل حلفائها إلى ضحايا هذا الصراع.

في المحصلة، يقدّم لبنان اليوم الدليل الأوضح على أن الاستراتيجيات التي تقوم على توظيف المجتمعات بدل حمايتها، وعلى استخدام الدول بدل بنائها، تتحوّل عند أول اختبار وجودي من أدوات قوة إلى عبء تاريخي. ومع تراجع القدرة القتالية لحزب الله وسقوط هيمنته السياسية، لا تبدو الأزمة اللبنانية نتيجة حرب عابرة، بل نتيجة نهائية لفشل مشروع إقليمي كامل عند اصطدامه بواقع القوة، والدولة، والزمن.