حيدر الأمين

الدولة أولًا: السيادة ليست شعارًا بل منظومة حماية

5 دقائق للقراءة

في ظل التحديات الوجودية التي تواجه لبنان، لم يعد النقاش حول السلاح والأمن ترفًا سياسيًا أو مادة إعلامية، بل مسألة تتعلق ببقاء الدولة نفسها. إن تسليم السلاح إلى الجيش ضمن رؤية وطنية شاملة لا يُعد تخليًا عن فكرة المقاومة، بل خطوة لضمان استدامتها وحمايتها من الاستنزاف. القوة خارج الدولة، مهما كانت النوايا، تتحول مع الوقت إلى ثغرة يمكن استغلالها. اليوم، حماية الدولة تتطلب منظومة متكاملة تشمل الدفاع الرقمي، السيادة الجوية، والسياسة الاستباقية، مع تطوير نموذج "دولة رقمية مرنة" قادر على الصمود أمام أي تهديد.


الاتصالات: خط الدفاع الأول عن الدولة

شبكات الاتصال السلكية واللاسلكية هي العمود الفقري للأمن الوطني الحديث. تركها مكشوفة أو قابلة للاختراق يعني فتح أبواب الدولة أمام التجسس، تعطيل الخدمات، أو الابتزاز.


الدولة التي تحترم سيادتها:

1. تطور بنيتها التحتية الرقمية باستمرار، بدءًا من تحسين شبكات الجيل الرابع 4G و4.5G مرورًا بإطلاق شبكات الجيل الخامس 5G وصولًا إلى التجهيزات المستقبلية للجيل السادس 6G.

2. تغلق الثغرات التقنية بدل التعايش معها.

3. تحمي بياناتها، اتصالاتها، ومؤسساتها الحيوية باستخدام الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية.

لبناء هذا الأساس، يحتاج لبنان إلى إنشاء هيئة وطنية مستقلة للأمن السيبراني بصلاحيات تنفيذية حقيقية، لتكون مسؤولية حماية البيانات والشبكات في يد دولة قوية وموحدة.


السيادة الجوية: السماء ليست مباحة

السماء المستباحة بطائرات الاستطلاع والطائرات بدون طيار لم تعد قدرًا محتومًا. مع الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، أصبح بالإمكان:

1. استخدام رادارات ذكية للتعرف المبكر على التهديدات.

2. نشر أنظمة إنذار مبكر وتشويش إلكتروني.

3. تطوير الدفاع الجوي المتقدم حتى في الدول ذات الإمكانيات المحدودة.

هذا ليس خيارًا هجوميًا، بل إجراء دفاعي يحمي السيادة ويجعل أي تحرك معادٍ مكلفًا. حماية القطاعات الحيوية مثل الكهرباء، الاتصالات، المصارف، والمطارات والمرافئ يجب أن تكون تحت مراقبة رقمية ذكية مستمرة، كجزء من منظومة الدولة الرقمية المرنة.


على ضوء التاريخ: إرث الابتكار اللبناني

قبل أكثر من نصف قرن، أسهم علماء وطلاب جامعة هايكازيان في تطوير سلسلة الصواريخ Cedar Rockets في واحدة من أوائل المبادرات العلمية التطبيقية في العالم العربي. أطلق الفريق بقيادة البروفيسور مانوغ مانوغيان صواريخ متعددة المراحل وصلت إلى ارتفاعات كبيرة، مثبتة قدرة البحث العلمي اللبناني على إنتاج تكنولوجيا متقدمة حتى بموارد محدودة. هذا المشروع، رغم توقفه لاحقًا بسبب الضغوط الجيوسياسية، يذكّرنا بأن الإمكانات المحلية موجودة دائمًا. ما ينقص اليوم هو القرار السياسي والاستثمار المستمر في مجالات الاتصالات، الدفاع الرقمي، والسيادة الجوية، مع الاستفادة من الاغتراب اللبناني لإنشاء صندوق سيادي تقني لدعم البنية الرقمية.


نماذج دولية: التكنولوجيا تحمي الدولة

إستونيا: بعد هجوم سيبراني واسع في 2007 أدى لتعطل الحكومة والبنوك والإعلام، استثمرت الدولة في الأمن السيبراني، وأصبحت نموذجًا للدولة الرقمية المقاومة للاختراق.

سنغافورة: رغم صغر حجمها، بنت أمنها الوطني على التفوق التقني، باستخدام الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، وأنظمة المراقبة لحماية الموانئ والاتصالات والطاقة، مع دمج الجامعات والقطاع الخاص.

الدرس الأساسي: الأمن الرقمي هو مسألة وجود دولة وليس ملفًا إداريًا، كما بينت تجربة إستونيا. لبنان يمكن أن يتحول إلى مركز إقليمي للأمن السيبراني أو منصة خدمات رقمية للشرق الأوسط، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية حقيقية واستمرارية في السياسات، بحيث يصبح المستقبل رقميًا لا طائفيًا.


الردع الحديث: أقل كلفة وأكثر فعالية

ردع العدو اليوم لم يعد يتطلب جيوشًا ضخمة أو ترسانات باهظة، بل:

1. أنظمة ذكية للرصد والكشف المبكر.

2. بنى رقمية قوية تمنع الاختراق وتحمي البيانات الحيوية.

3. قدرة سيبرانية وسيطرة على الفضاء الرقمي والجوي تجعل أي اعتداء مكشوفًا ومكلفًا سياسيًا وأمنيًا.

الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، وشبكات الاتصالات لم تعد قطاعات تكميلية، بل أساس رفعة الدول الحديثة. الاستثمار في المعرفة يوفر حماية بأقل كلفة وأعلى فعالية.


القرار السياسي قبل الإمكانيات

المشكلة في لبنان ليست نقص الكفاءات أو الخبرات، بل غياب القرار السياسي والتردد في بناء الدولة. الرقمنة، حماية الهوية الوطنية، وإنشاء هيئة للأمن السيبراني، جميعها خطوات عملية لإنشاء دولة مرنة لا تنهار مؤسساتها عند أول أزمة. بمجرد أن تبدأ الدولة بتحصين اتصالاتها وحماية فضائها الرقمي والجوي، يسقط أي تبرير لبقاء السلاح خارج سيطرة الدولة، لأن الذريعة الأساسية "عجز الدولة" تصبح منتهية. بناء الدولة ليس نقيض المقاومة، بل هو أعلى أشكالها وأكثرها استدامة. هذا يتطلب قرارًا سياديًا واضحًا بأن المستقبل سيكون رقميًا لا طائفيًا، لتصبح الدولة صلبة وموحدة أمام كل التحديات.


حماية السيادة مسؤولية الجميع

نحن، كلبنانيين، لم نعد نطلب وعودًا أو شعارات، بل دولة تحمينا بالقرار والعلم، وتمنع استغلال ضعفها على حساب سيادتها ومستقبلها. الاستثمار في الاتصالات الحديثة، الدفاع الرقمي، السيادة الجوية، وإنشاء نموذج دولة رقمية مرنة ليس رفاهية، بل حماية وجودية، وهو الخيار الوحيد للدولة التي تريد أن تبقى قوية ومستدامة في عالم اليوم، مستقبل رقمي لا طائفي يحمي الجميع.