الإنسان لا يخاف الخسارة لأنّه يخسر نتيجةً، بل لأنّه يخسر صورةً رسمها لنفسه عن نفسه، لذلك نُجيد تبرير الهزائم أكثر ممّا نُجيد التعلّم منها.
في جوهر الطبيعة البشرية نزعة عميقة تُسمّى في علم النفس "نفور الخسارة". نحن لا نرفض الهزيمة لأنّها مؤلمة فحسب، بل لأنّها تُربك هويّتنا. الربح يعزّز شعورنا بالكفاءة، أمّا الخسارة فتجبرنا على مواجهة سؤال قاسٍ: هل كنّا فعلًا بالمستوى الذي تخيّلناه؟
من هنا تبدأ أزمة الوعي. نحن نتقبّل الربح بهدوء لأنّه ينسجم مع توقّعاتنا عن أنفسنا، لكنّنا حين نخسر نسارع، فرديًا أو جماعيًا، إلى إعادة صياغة السرديّة. نحاول تحويل الخسارة إلى انتصار معنوي، أو إلى مؤامرة، أو إلى تجربة. لا بأس في إعادة القراءة، لكنّ المشكلة تبدأ حين يصبح التبرير بديلًا من التطوير.
في برنامج "يلا ندبك" (Let's Dabke) على شاشة MTV ، فازت فرقة برجا للفنون الشعبيّة باللقب، لكنّ الأهمّ من الكأس كان المسار. وقد قال مدرّب الفريق قبل الحلقة النهائيّة تصريحًا قياديًا لافتًا: "أيًّا تكن نتيجة اليوم، فهي غير مهمّة، فالأهمّ هو ما سيصل إلى قلوب الناس". هذه الجملة ليست عاطفيّة، بل رؤية قياديّة استراتيجيّة حوّلت الهدف من نتيجة ظرفيّة إلى أثر مستدام في قلوب الملايين.
حين يركّز فريق على كسب القلوب، فهو يتحرّر نفسيًا من عقدة الخسارة، لأنّ من يجعل اللقب غايته الوحيدة يصبح أسير النتيجة، أمّا من يجعل الرسالة هدفه، فيصبح رابحًا في الحالتين. وهذا هو جوهر القيادة: أن تبني قيمة تتجاوز اللحظة.
فرقة برجا لم تربح بالصدفة، بل ربحت لأنّها لم تدخل المنافسة بعقلية الخوف من الهزيمة. دخلت بثقة هادئة، وانفتاحٍ على تقبّل الملاحظات البنّاءة، وعملٍ جماعي منسجم، وتركيزٍ على التطوّر الذاتي. وعندما جاء اللقب، بدا طبيعيًا، كأنّه نتيجة منطقيّة لمسارٍ منضبط، لا مفاجأة تعويضيّة.
في المقابل، خرجت فرق أخرى بشيء من الامتعاض، وهذا مفهوم إنسانيًا. لكنّ السؤال القيادي الأعمق هو: هل المشاركة نفسها خسارة؟ أليست فرصة الظهور على شاشة MTV، واكتساب جمهور واسع، وتطوير الأداء تحت ضغط المنافسة، ربحًا بحدّ ذاته؟ أليست التجربة مدرسة، ولا سيّما مسؤولية نشر ثقافة الحياة والدبكة اللبنانية في مختلف أنحاء العالم؟
القيادة لا تُقاس بعدد الكؤوس، بل بطريقة التعامل مع غيابها. وهذا الدرس لا يخصّ برنامجًا فنيًا فحسب، بل يمتدّ إلى السياسة والمجتمع. في السياسة، تتقدّم الأمم التي تُجيد قراءة هزائمها بوعيٍ ونقدٍ بنّاء. الاعتراف ليس ضعفًا، بل هو أوّل فعل شجاعة. ومن لا يمتلك شجاعة الاعتراف، لن يمتلك قدرة التصحيح.
نخسر انتخابات بلدية فنعلن أنّنا "ثبتنا حضورنا". نخسر انتخابات جامعيّة فنقول إنّنا "ربحنا الوعي". نخسر مباراة رياضية فنقول "لم يحالفنا الحظ". نخسر معركة سياسيّة فنصوغ خطابًا يهوّن من وقعها. نخسر حربًا فنرفع شعارات الانتصار، وهلم جرى... لسنا هنا لتقييم الوقائع أو جلد الذات، بل لنشرّح الآليّة النفسيّة: الخوف من الاعتراف بالهزيمة يدفعنا إلى سرديّات تعويضيّة تريح آنيًا، لكن تحرمنا من التطوّر الحقيقي والنهوض الواعي. فإذا لم نواجه الخسارة كما هي، فلن نكتشف ضعفنا، ولن نبني قوّة ناضجة.
لسنا بصدد جلد الذات، بل بترقية الوعي. فإذا لم نعترف بالخسارة كما هي، فلن نعرف مكامن ضعفنا، ولن نتمكّن من النهوض بوعيٍ ناضج. فرقة برجا للفنون الشعبيّة قدّمت نموذجًا بسيطًا وعميقًا في آن. ركّزت على العمل، وعلى الانسجام، وعلى كسب القلوب، فجاء اللقب تتويجًا لا غاية. أمّا الدرس للباقين، فليس أن يغضبوا من النتيجة، بل أن يسألوا أنفسهم: هل كنّا نلعب لنربح الكأس فقط، أم لنرفع قيمة الدبكة ثقافيًا ونُظهر للعالم عراقة الثقافة اللبنانية في وقتٍ عصيب يمرّ به لبنان؟
بتجربتنا في مرافقة فرق عمل وقيادات من خلفيات مختلفة، يتكرّر المشهد نفسه. الانتصارات نادرًا ما تغيّر البنية الداخلية للفريق، أمّا الهزائم فتنحَته. في علم القيادة المعاصر، لا تُقاس الفرق بقدرتها على الفوز فقط، بل بقدرتها على التعلّم المنظّم من الخسارة. الشركات التي انهارت ثم نهضت، والدول التي سقطت ثم أعادت بناء نفسها، لم تفعل ذلك لأنها ربحت، بل لأنها واجهت هزيمتها بحكمة من دون إنكار. اللحظة التي يتحوّل فيها السؤال من "كيف نُبرّر؟" إلى "ماذا تعلّمنا؟ هي اللحظة التي يبدأ فيها التحوّل الحقيقي. فالربح الذي يُغذّي الغرور هزيمة مؤجّلة، والخسارة التي تُنمّي الوعي ربحٌ مستقبلي.
ألف مبروك لفرقة برجا للفنون الشعبيّة، وألف شكر لكل من عمل على فكرة "يلا ندبك" ولمحطّة MTV على هذا النوع من الأمل الذي أنعش قلوب اللبنانيين في الوطن والعالم. مسؤوليتنا أن ننشر هذا الأمل، وأن نستعيد دورنا الريادي، وأن نتقدّم نحو مستقبلٍ يحمل من المعنى ما يكفي لنؤكّد أنّنا، رغم العواصف، ما زلنا شعبًا يصنع الجمال ويصدّر إلى العالم صورةً راقية عن ثقافته وهويّته.