في ظل الانهيار الاقتصادي والمالي غير المسبوق الذي يعيشه لبنان، لم يعد خافيًا أن السياسات الضيقة والمصالح الشخصية باتت تتقدم على مفهوم الدولة ومصلحة المواطن. المشهد السياسي اليوم لا تحكمه رؤية وطنية جامعة، بل تحكمه حسابات فئوية وانتخابية قصيرة النظر، فيما الوطن يتآكل تحت وطأة الأزمات المتراكمة.
في قلب هذا المشهد، تتجلى سياسة اللعب على الكلمات والتلاعب بالنصوص الدستورية والقانونية. فـميليشيا حزب الله توظّف مصطلحات فضفاضة من قبيل "شمال الليطاني وجنوبه" في محاولة لكسب الوقت وربط المسار اللبناني بنتائج المفاوضات الإيرانية–الأميركية، وكأن مصير البلاد تفصيل في حسابات إقليمية أوسع. وفي موازاة ذلك، يلجأ رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى اجتهادات دستورية تُقيّد حقوق اللبنانيين، ومن بينها تجميد الميغاسنتر والبطاقة الانتخابية وحق المغتربين الطبيعي في الاقتراع، خدمة لاهداف فئوية لا تماشيا مع الدستور.
ومن جهة أخرى، يقف عدد من السياسيين المتلوّنين الانتهازيين، الذين لا يشغلهم سوى عدد الأصوات في صناديق الاقتراع، وغش الناخبين بالمزايدات الكلامية والنفاق السياسي وتزوير الحقائق فيزيدون المشهد تسطيحًا وابتذالًا. هؤلاء لا يترددون في مسايرة الأمر الواقع أو تبرير الانحرافات مقابل مكاسب ظرفية، غير آبهين بأن هذا السلوك الانتهازي يسرّع في تفكيك ما تبقى من مؤسسات الدولة. وهكذا نشأت ثنائية خطيرة: مافيا الفساد من جهة، وميليشيا السلاح من جهة أخرى، في تقاطع مصالح يختزل الدولة ويُفرغها من مضمونها السيادي.
على مدى سنوات، إعتمد حزب الله سياسة المراهنة المفتوحة بأرض لبنان وشعبه، من دون حساب شفاف لتبعاتها على الاقتصاد أو الأمن أو الاستقرار. وقد ساهم الانتهازيون في تغطية هذه السياسات، طمعًا بمكاسب سياسية آنية. وكانت النتيجة تفاقمًا للفقر، وجمودًا اقتصاديًا خانقًا، وغارات إسرائيلية شبه يومية في الجنوب، وضياع ودائع اللبنانيين إضافة إلى إحجام المجتمع الدولي عن تقديم دعم جدي لإعادة الإعمار أو تسليح الجيش، قبل معالجة مسألة السلاح غير الشرعي وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.
لقد نجحت دعاية حزب الله السابقة في تسويق فكرة "توازن الرعب" مع العدو، لكن انخراط الحزب في حرب الإسناد كشف حدود هذا المشروع، وأظهر أن العدو نخر جسم الحزب كالسرطان حتى العظم. فالمقامرة السياسية الجارية اليوم لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل تحولت إلى مجازفة مفتوحة بمصير اللبنانيين جميعًا.
الأخطر أن الإصرار على إبقاء لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية يضعه أمام مخاطر استراتيجية حقيقية. فاحتمال الانزلاق إلى مواجهة واسعة في الجنوب ليس فرضية نظرية، بل سيناريو قائم في ظل أي خطأ في الحسابات أو رهان مفرط على معادلات خارجية. كما أن تصريحات الشيخ نعيم قاسم التي تربط مصير لبنان بأي مواجهة محتملة بين إيران والولايات المتحدة تعمّق المخاوف من تحويل البلاد إلى ورقة تفاوض، بدل أن تكون دولة ذات سيادة وقرار مستقل.
كل ذلك يحدث فيما المواطن اللبناني يرزح تحت عبء انهيار العملة، وتآكل المدخرات، وغياب الخدمات الأساسية، وانسداد الأفق أمام الأجيال الشابة. وبينما ينشغل بعض السياسيين بحسابات الانتخابات المقبلة، يتآكل مفهوم الدولة نفسه.
يبقى السؤال الذي يطرحه اللبنانيون بمرارة:إلى متى ستستمر المقامرة بمصير لبنان؟وهل ستظل الحسابات الفئوية فوق أي اعتبار وطني؟
وإلى متى سيبقى جزء كبير من الطبقة السياسية أسير صناديق الاقتراع بدل أن يكون أمينًا على مستقبل الوطن؟ والى متى سيستمر المواطن اسير المصالح الشخصية والدعايات الكاذبة بدل التركيز على مستقبل اولاده ووطنه؟
إنّ الخروج من هذا المأزق لا يكون بالشعارات، بل بمواطنٍ لبنانيٍّ شجاع يُحسن ممارسة المساءلة الانتخابية الحقيقية، وبإعادة ترتيب أولويات الدولة على قاعدة واضحة: حصر السلاح بيدها، احترام الدستور نصًّا وروحًا، ضمان الحقوق المتساوية لجميع اللبنانيين، والانخراط في إصلاحات فعلية تعيد الثقة داخليًا وخارجيًا، وترسيخ انتماء وطني يضع لبنان أولًا وأخيرًا.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى سياسيين انتهازيين يحسبون الأرباح الانتخابية، بل إلى رجال دولة ينظرون أبعد من اللحظة الراهنة. فالمقامرة بالأرض والشعب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وثمنها سيدفعه اللبنانيون جميعًا، من دون استثناء.