الياس دمّر

الوجه الآخر للجريمة

مُطاردة بين لصّ ومُحقق في "Crime 101"

4 دقائق للقراءة

في فيلمه الرّوائي الأوّل "American Animals" عام 2018، قدَّم الكاتب والمُخرج Bart Layton عملًا استثنائيًّا عن إحدى أكثر عمليّات السّطو جرأةً في تاريخ الولايات المتحدة الأميركيّة. تركنا حينها مُترقبين لِما سيأتي بعده، ليعود اليوم مع مُعالَجة سينمائية مشدودة لرواية قصيرة للكاتب الأميركي Don Winslow، واضعًا فيها المُشاهد أمام عمل يُراوح بين التشويق الكلاسيكي والنزعة التأمليّة في مصائر شخصيّاته. فيلم "Crime 101" الذي يدور في أجواء مدينة لوس أنجلوس وعلى امتداد الطريق السّريع 101، يُحاول إعادة إحياء تقاليد سينما "Film Noir" بِروح مُعاصرة، مُعتمِدًا على إيقاع مُتدرِّج وصراع ذهنيّ بين مُطارِد ومُطارَد.

تتمحور القصَّة حول سلسلة سرقات مُتقَنة لمجوهراتٍ نادرة، تُنفذ بِدقة هندسيّة توحي بأن خلفها عقلًا باردًا يعرف تمامًا ما يفعل. هذا العقل هو "Mike" الذي يؤدّي دوره النجم Chris Hemsworth، في أحد أكثر أدواره ابتعادًا عن صورته النمطيّة كبَطل "أكشن" صاخب. في المقابل، يتتبَّع خيوط الجرائم مُحقّق مخضرم يُجسّده البارع Mark Ruffalo، فيما تضطلع النجمة Halle Berry بِدور وسيطة تأمين تجد نفسها عالقة بين منطق القانون وإغراءات الصّفقة الكبرى.


مبارزة ذكاء

أبرز ما يُميّز الفيلم اشتغاله على ثنائية النظام والفوضى. فالمُحقق لا يلاحِق مجرمًا عاديًّا، بل خصمًا يحترم قواعد صارمة وضَعَها لنفسه. قواعد لا يخرج عنها إلّا حين تفرض الضرورة ذلك. من هنا، يتخذ الصّراع طابعًا ذهنيًّا أكثر منه جسديًّا. الكاميرا لا تركض فقط خلف السيّارات، بل تُلاحق النظرات والقرارات واللّحظات التي يتبدَّل فيها ميزان القوى. هذا البُعد الذهنيّ يمنح العمل عمقًا إضافيًّا، ويُبعده عن الوقوع في فخ الاستعراض الفارغ. إخراج بارت لايتون يتسم بِوعي بصريّ واضح. المدينة تُقدَّم ككيانٍ حي، لا مجرَّد مركز للأحداث. لقطات اللّيل، الانعكاسات على الزجاج والطُّرق السّريعة المُمتدَّة في الفراغ، كلّها عناصر تعزز الإحساس بالعزلة والقلق. كما أن استخدام الإضاءة والظلال يستحضر إرث أفلام الجريمة الكلاسيكيّة، لكن من دون الوقوع في محاكاة مباشرة. ثمّة محاولة لإعادة صياغة هذا الإرث بما يتلاءم مع إيقاع العصر، سواء عبر المونتاج المتسارع في مشاهد التنفيذ أو عبر الصّمت المديد في لحظات الترقب.


أدوار وأداء

على مستوى الأداء التمثيلي، ينجح كريس هيمسوورث في تقديم شخصية مُركّبة تتجاوز صورة اللصّ الجذاب. أداؤه يتسم بانفعالات تلائم واقع شخصيّته الغامضة في الفيلم، مع اعتماد واضح على لغة الجسد ونبرات الصّوت المنخفِضة. غير أن السّيناريو لا يمنحه دائمًا المساحة الكافية للتعمُّق في ماضي الشخصيّة ودوافعها النفسيّة، ما يجعل بعض أفعاله تبدو أقرب إلى البرود المحسوب منه إلى الصّراع الداخلي. ومع ذلك، يظلّ حضوره عاملًا أساسيًّا في شدّ انتباه المُشاهد.

أما مارك رافالو، فيُقدّم أداءً مُتزِنًا يجمع بين الحزم والإرهاق الوجوديّ. شخصيّته ليست بطلًا مثاليًّا، بل رجلًا مُنهَكًا من نظام بيروقراطيّ لا يمنحه دائمًا الدعم الكافي. هذا البُعد الإنسانيّ يُضفي على المطاردة طابعًا شخصيًّا، ويجعل المواجهة بينه وبين "مايك" أكثر تعقيدًا من مجرّد صراع بين خير وشرّ. في المُقابل، تمنح هالي بيري دورها بُعدًا عاطفيًّا يوازن ثقل المواجهات، إذ تُجسّد شخصيّة تحاول التوفيق بين طموحها المهنيّ وحدودها الأخلاقيّة.

رغم هذه العناصر المتينة، لا يخلو الفيلم من هنات. فالإيقاع، على امتداد زمنه الذي يُقارب السّاعتين ونصفًا، يُعاني أحيانًا من الترهّل. بعض المَشاهد الحواريّة تطول أكثر ممّا ينبغي، وتُكرّر أفكارًا سبق أن أوصلها السّياق البصري بوضوح. كذلك، تبدو الحبكة في خطوطها العريضة مألوفة لعشاق أفلام السّرقات، مع اعتمادها على فكرة العمليّة الأخيرة، التي تُمثل الخلاص النهائيّ للبطل. مع ذلك، يُحسب للفيلم أنه لا يسعى إلى الإدهاش عبر التواءاتٍ مُفتعَلَة، بل يُراهِن على بناء تدريجيّ للتوتر. النهاية، وإن لم تكُن صادمة، تأتي مُنسجمة مع المَسار العام للأحداث، وتترك مساحة للتأمُّل في معنى العدالة وحدود الاختيار الفرديّ. هل الجريمة هنا مجرّد فعل خارج القانون، أم هي أيضًا نتيجة نظام اقتصاديّ واجتماعيّ يدفع بعض أفراده إلى الهامش؟.

فيلم "Crime 101" إضافة جديّة إلى سينما الجريمة المُعاصرة. ليس فيلمًا ثوريًّا يُعيد تعريف النوع، لكنه عمل مُتماسك تقنيًّا مدعوم بأداءات قويّة ورؤية إخراجيّة واعية، ما يجعله خيارًا جديرًا بالمُشاهدة في كافة صالات السّينما.