في حين ترجع رواية "Wuthering Heights" إلى الشاشة هذا العام، فإنها لا تعود بوصفها اقتباسًا تقليديًّا بل كمحاولة لإعادة تعريف الكلاسيكيّات بِلُغة سينمائيّة مُعاصرة. الفيلم الجديد يأتي بتوقيع المخرجة والكاتبة البريطانيّة Emerald Fennell المعروفة بميولها الجماليّة الجريئة منذ فيلمها الرّوائي الأوّل "Promising Young Woman"، ثمَّ عملها المُثير للجدل "Saltburn". ومنذ الإعلان عن المشروع، بدا واضحًا أن فينيل لا تنوي تقديم قراءة وفيّة حرفيًا لرواية الكاتبة Emily Brontë، بل تسعى إلى إعادة تأويلها بِروح بصريّة معاصرة.
تُعَدّ الرواية الأصليّة واحدة من أعقد قصص الحب في الأدب الإنكليزي. حبٌّ مُدمِّر تتشابك فيه الرغبة بالانتقام، الطبقيّة بالهويّة، والهَوَس بالحرمان. غير أن الفيلم يختار التركيز على البُعد العاطفي الحاد بين "Catherine Earnshaw" و "Heathcliff"، مُقدِّمًا العلاقة بوصفها اندفاعًا حسيًّا وعاطفيًا أكثر من كونها مأساة اجتماعية متكامِلَة الأبعاد. هنا تتجلّى رؤية المخرجة إيميرالد فينيل في اختزال العالم الواسع للرواية ضمن ثنائيّة مشتعلة، تضاء بالكاميرا أكثر ممَّا تُفسَّر بالحوار.
عشقٌ يعصف بالمرتفعات
على المستوى البصري، لا يُمكننا إنكار قوّة الفيلم. الطّبيعة القاسية للمرتفعات تُصوَّر بلقطات واسعة ذات طابع شبه تشكيلي، حيث تتحوّل الرّياح والسّماء الرماديّة إلى عنصر دراميّ بحدّ ذاته. الأزياء والتصاميم الفنيّة تمنح العمل ملمسًا تاريخيًا، من دون الوقوع في فخ التحفظ الأكاديمي. وهناك حسّ واضح بالرّغبة في جعل الماضي معاصِرًا، لا من خلال تحديث الزمن بل عبر شحنة انفعاليّة مُكثفة تقترب من ذائقة جمهور اليوم.
تقود النجمة الأستراليّة Margot Robbie الفيلم في دور "Catherine"، مقدِّمة شخصية متقلِّبة، ومزيجًا من التمرّد والهشاشة. تنجح روبي في تجسيد التوتر الداخلي الذي ينهش الشخصيّة، خاصةً في المَشاهد التي تواجِه فيها خيار الزواج من الغنيّ "Edgar Linton"، مُقابل انتمائها العاطفي العميق لرفيق عمرها "Heathcliff". غير أن السّيناريو لا يمنحها دومًا المساحة الكافية لتعميق التحوّلات النفسيّة، ما يجعل بعض انقلاباتها الدراميّة تبدو مُتسارعة. أمّا Jacob Elordi في دَور "Heathcliff"، فيُقدِّم حضورًا جسديًا قويًا، ينسجم مع الرؤية التي تُركّز على الكاريزما والغموض. أداؤه يميل إلى الكتمان والانفعال الداخلي المكبوت، لكن الشخصيّة هنا تبدو أقل قسوة وأقل تعقيدًا ممّا هي عليه في النصّ الأصلي. "Heathcliff" الروائيّ، شخصيّة مُظلمة تتغذى على الإهانة والانتقام لسنواتٍ طويلة. أمّا في الفيلم، فيبدو أقرب إلى عاشقٍ جريحٍ أكثر منه قوّة تدميريّة عاتية.
إيقاع وتركيز
أحد أبرز التحوّلات التي يفرضها العمل، تقليص الخط الزمني للرّواية والاستغناء عن كثير من أحداث الجيل الثاني التي شكّلت في النصّ الأصلي بُنية دائريّة عنيفة، تعكس تكرار الأخطاء وتوارُث الألم. هذا القرار يمنح الفيلم إيقاعًا أسرع وأكثر تركيزًا، لكنه في المقابل يُفقده العمق البنيويّ الذي ميَّز الرّواية. النتيجة عمل مُكثف عاطفيًا، لكنه أقلّ ثراء من حيث الطّبقات السرديّة.
هل يحق للكلاسيكيّات أن تُعاد صياغتها وفق حساسيّة زمن مُختلف؟ تجيب إيميرالد فينيل بِنَعَم واضحة وعالية النبرة. فهي لا تتعامل مع الرواية كنصّ مُنزَل بل كنقطة انطلاق. قد يُغضِب هذا التوجُّه عُشاق الرواية الباحثين عن عُمقِها النفسي وتفاصيلها المُعقدة، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام جيل جديد للتعرُّف على القصّة من زاويةٍ مُغايرة.
يبقى ان "Wuthering Heights" تجربة سينمائيّة لافتة، تتأرجح بين الجمال البصريّ والاختزال الدراميّ. فيلم شجاع في طموحه، مُثير في لغته، لكنه ليس بالضرورة النسخة الأكثر اكتمالًا لهذه الحكاية الخالدة. وبين الوفاء للنصّ وروح العصر، اختار العمل الانحياز إلى الثانية. خيارٌ قد لا يُرضي الجميع، لكنه بلا شك يُرسِّخ حضور الفيلم كقراءةٍ مُختلفة لكلاسيكيّةٍ لا تكفّ عن إثارة الجدل، في جميع صالات السّينما.