محمد دهشة
في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات الرقمية وتتبدّل فيه ملامح سوق العمل بوتيرة غير مسبوقة، بات الذكاء الاصطناعي ركيزةً أساسية في تطوير القطاعات المهنية وتعزيز الإنتاجية والابتكار. ومن هنا تبرز أهمية مشروع «تمكين القطاعات بالذكاء الاصطناعي» الذي أطلقته مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة، برعاية وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الدكتور كمال شحادة، بوصفه خطوةً عملية نحو إعداد الكفاءات اللبنانية لمواكبة التحوّل الرقمي، وتحويل التكنولوجيا من أداةٍ تقنية إلى محرّكٍ تنموي ينعكس أثره على الاقتصاد والمجتمع.
فالمشروع لا يقتصر على التدريب فحسب، بل يؤسّس لمسارٍ متكامل يربط بين التعليم وسوق العمل، ويعزّز ثقافة التعلّم المستمر، ويجعل الاستثمار في الإنسان أولويةً وطنيةً تتقدّم على سواها، باعتباره الأساس لأي نهضةٍ مستدامة.
افتتح الحفل بالنشيد الوطني اللبناني، ثم ألقت السيدة بهية الحريري كلمة أعلنت فيها إطلاق المشروع، معتبرة أنه يشكّل دعامة أساسية في مسار تجديد الحياة المهنية والقطاعية في مختلف الاختصاصات، في زمن أصبحت فيه المهن على تماس مباشر مع تقنيات الذكاء الاصطناعي التي اختصرت الوقت ووسّعت آفاق المعرفة. وأكدت أن مواكبة هذا التحول لم تعد خيارًا، بل ضرورة تفرض تطوير البرامج التدريبية بصورة مستمرة، بما يمكّن القطاعات من توظيف التكنولوجيا بفعالية وإنتاجية أعلى.
وشكرت الحريري الوزير شحادة على رعايته وحضوره، مثمنة جهوده لإدراج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في صلب عمل الدولة، بما يتكامل مع برامج أكاديمية الدولة الوطنية في صيدا التي بادرت إلى استحداث مسارات تدريبية مكثفة لتمكين مختلف القطاعات من أدوات الذكاء الاصطناعي. وأشارت إلى أن المؤسسة تتطلع إلى تطوير هذه البرامج بصورة أكثر عمقًا وتخصصًا، بما يواكب سرعة التطور التقني ويعزز ثقافة التعلم مدى الحياة.
وأضافت الحريري أن المشروع يندرج ضمن رؤية أوسع تقوم على الربط بين التعليم وسوق العمل، وخلق بيئة تدريبية تفاعلية تتيح للمتدربين اختبار مهاراتهم عمليًا، لا الاكتفاء بالمعرفة النظرية. وشددت على أن الاستثمار في الإنسان يبقى حجر الأساس في أي عملية نهوض اقتصادي، وأن تمكين الشباب والمهنيين من أدوات المستقبل هو الطريق الأقصر نحو تعزيز تنافسية لبنان في محيطه الإقليمي.
من جهته، أشار محمد إسماعيل إلى أن لبنان يمتلك طاقات بشرية قادرة على المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، موضحًا أن المؤسسة تعمل على برامج متدرجة تشمل التوعية والتدريب المتخصص، إضافة إلى شراكات مع جهات محلية ودولية، بهدف سد الفجوة بين التعليم التقليدي ومتطلبات سوق العمل، والاستثمار في مهارات الشباب بشكل عملي.
بدوره، عرض طارق الباشا دور شركة Pearson والخدمات التي تقدمها في مجال الشهادات الرقمية المعتمدة، مؤكدًا أن الهدف يتجاوز الحصول على الشهادة ليصل إلى تمكين الشباب من دخول سوق العمل بثقة، عبر اكتساب مهارات موثقة ومعترف بها دوليًا، بما يعزز فرص التوظيف محليًا وخارجيًا.
بدوره، ركز الوزير كمال شحادة على أربعة محاور أساسية: الاستثمار في الإنسان، تطوير البنية التحتية الرقمية للدولة، بناء بيئة حاضنة للشركات الناشئة، وتعزيز الشراكات مع كبرى شركات التكنولوجيا لإتاحة شهادات معتمدة للمواطنين. وأوضح أن الاستثمار في الطاقات البشرية يشكل أولوية وطنية، وأن الوزارة تعمل على إعداد التشريعات والسياسات وبناء المؤسسات القادرة على قيادة التحول الرقمي، رغم التحديات المرتبطة بالإمكانات والاعتمادات المالية.
كما شدد على ضرورة رقمنة المعاملات الحكومية وإدخال الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة لتسهيل الخدمات وتسريعها، معتبرًا أن تحديث أساليب العمل الحكومي شرط أساسي لتحقيق التنمية. وأضاف أن بناء بيئة حاضنة للشركات الناشئة يتطلب شراكة فعلية بين القطاعين العام والخاص، مشيرًا إلى إطلاق شبكة لبنانية للمؤسسات المستثمرة في الشركات الناشئة، والعمل على إعداد خطة لإنشاء صندوق استثماري يتراوح بين 150 و200 مليون دولار لدعم هذا القطاع، بما يعزز فرص بقاء الشركات في لبنان وتوسّعها.
وأكد شحادة أن التحول الرقمي لا يقتصر على إدخال التكنولوجيا إلى المؤسسات، بل يتطلب تغييرًا في الثقافة الإدارية وفي أساليب التفكير، داعيًا إلى تعزيز الشفافية والكفاءة من خلال الأنظمة الرقمية الذكية. وأشار إلى أن إدماج الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة من شأنه أن يحد من البيروقراطية، ويرفع مستوى الخدمات، ويعزز ثقة المواطن بالدولة.
كما لفت إلى أن لبنان حقق تقدمًا ملحوظًا على صعيد استخدام الذكاء الاصطناعي عربيًا، إلا أن التحدي يكمن في تحويل النجاحات الفردية إلى نجاح وطني شامل. واعتبر أن توفير الشهادات المعتمدة وإتاحة فرص التدريب المجاني في المرحلة الأولى يمثلان خطوة عملية لتمكين الشباب، مؤكدًا أن الاستثمار في الطاقات ليس خيارًا ثانويًا بل ركيزة أساسية في أي خطة نهوض اقتصادي.
وفي ختام الحفل، كرّمت مؤسسة الحريري الوزير شحادة بتقليده درع «منتدى شباب نهوض لبنان» الذي يجسد طائر الفينيق حاملًا أرزة لبنان، تقديرًا لجهوده في دعم مسار التحول الرقمي. كما جرى تخريج المشاركين في الدورتين التدريبيتين للعاملين في قطاعي الهندسة والتجارة، وتسليمهم شهادات إتمام البرامج التدريبية.