هشام بو ناصيف

نبيه برّي ودماء الشيعة

3 دقائق للقراءة

نبيه برّي ليس بريئًا من دماء الشيعة التي يهدرها "حزب الله" وإيران منذ سنوات في لبنان. الأكيد أنّ شيعة الجنوب يعيشون مأساة. والأكيد أيضًا أنّ ثمن زعامة نبيه برّي وبقائه الطويل في رئاسة مجلس النواب كان سكوته عن السياسات التي عبّدت الطريق إلى هذه المأساة، ومساندته لها عند كلّ محطة أساسية.

في الحقيقة، ما يجري اليوم في الجنوب لم يبدأ يوم قرّر حسن نصرالله إسناد غزة، بل قبل ذلك بكثير، يوم قرّر حافظ الأسد إسقاط 17 أيّار، وعاونه آنذاك نبيه برّي ووليد جنبلاط. أمّا وأنّ برّي كان أداة من الأدوات التي استخدمها الأسد لقمع تمرّد لبنان على دوره كساحة حرب بالوكالة مع إسرائيل، فإنّ زعيم أمل مسؤول أخلاقيًا وسياسيًا عن العقود الأربعة التي تلت، والتي حبست الجنوب اللبناني في هذه الوظيفة.

لذلك، فإنّ أيّ محاولة حالية أو مستقبلية لتبرئة برّي من مآسي الجنوب ليست سوى تزوير فاقع لتاريخنا المعاصر، لا ينبغي السكوت عنه.

والحال أنّ زمن صعود "حزب الله" وتمكّنه من لبنان، بعد إطباق جيش حافظ الأسد على المناطق الشرقية عام 1990، كان أيضًا زمن عزّ نبيه برّي في سياسة بلادنا. وزّع حافظ الأسد الأدوار على الجميع: "حزب الله" يقاتل بالنيابة عن سوريا وإيران في الجنوب، ونبيه برّي يغطّي "الحزب" ومحرّكيه في بيروت.

صحيح أنّ اللعبة كانت يومها أكبر من برّي، ومن أيّ لاعب محلّي آخر، باعتبار أنّ تسليم لبنان لسوريا كان قرارًا أميركيًا. لكنّ الصحيح أيضًا أنّ برّي أدّى الدور المرسوم له بحماسة أبقته فيه بلا منازع طوال سنوات الاحتلال السوري للبنان. وفي هذه السنوات السوداء، نما في لبنان اثنان: دويلة "حزب الله" ونفوذ نبيه برّي. القول إنّ نفوذ برّي غريب عن دويلة "الحزب" تهريج؛ هو ربيبها.

كان يمكن لمرحلة 2005 وما تلاها أن تكون فرصة لبرّي لينقذ الشيعة، ومعهم لبنان كلّه، من الوحش الذي زرعه حافظ الأسد وإيران بينهم. إلا أنّ برّي كان، بطبيعة الحال، مشغولا بإنقاذ نفسه، لا الشيعة.

نعم، كانت الفرصة سانحة زمن عزّ 14 آذار، وكان يمكن عزل الميليشيا محليًا لو انتقل برّي إلى المقلب الآخر. لكنّ مأزق "حزب الله" يومها تحوّل إلى فرصة لبرّي، فوضع الشيعة كلّهم في قبضة "الحزب" مقابل استمراريته هو، أي برّي، في رئاسة مجلس النواب.

ظنّ الجمهور الأوسع من الطائفة آنذاك أنّ نصرالله وبرّي يضعان أسس حكم شيعي دائم للبنان. والحقيقة أنّهما كانا يحفران القبور التي سترسل إسرائيل إليها لاحقًا جثث الآلاف من أبنائهم.

كي يعيش الشيعة، ينبغي تحرير جنوب لبنان من دوره كصندوق بريد استعمله أجانب ــ عرفات والأسد وإيران ــ في صراعات المحاور الإقليمية. وتحرير الجنوب يفترض حدًا أدنى من استقلالية القرار الوطني اللبناني، وهي الاستقلالية التي كرّس نبيه برّي مساره السياسي كلّه لتدميرها.

وعمومًا، من يعرف مصلحته من شيعة لبنان يسابق "الانعزاليّين" إلى "الانعزال". فهذا "الانعزال" الذي يسخر منه البعض ليس سوى استقلال لبنان عن صراعات الآخرين؛ وعندما يسقط، يدفع الشيعة ثمن سقوطه قبل غيرهم، وأكثر منهم.