مفاوضات جنيف... تفاؤل طهران يرتطم بخطوط واشنطن الحمر

6 دقائق للقراءة

سادت أجواء تفاؤلية لدى الوفد الإيراني إثر انتهاء المحادثات النووية مع واشنطن في جنيف أمس، إذ تحدّث وزير الخارجية عباس عراقجي عن أن واشنطن وطهران توصلتا إلى تفاهم على "فهم عام في شأن مجموعة من المبادئ التوجيهية التي ستشكّل أساسًا للمضي قدمًا والدخول في مرحلة صياغة اتفاق محتمل"، موضحًا أن المحادثات كانت "أكثر جدية" من الجولة السابقة في عُمان. لكن المفاوضات تزامنت مع تهديدات عالية السقف أطلقها المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، ومع مناورات عسكرية لـ "الحرس الثوري" في مضيق هرمز، فيما تمسّك الإيرانيون برفضهم لـ "تصفير التخصيب" وبحث معضلتي الصواريخ والأذرع، ما يطرح علامات استفهام جدّية حول مدى إمكانية ردم الفجوة مع أميركا الجاهزة لاستخدام القوة في حال وصلت المفاوضات إلى حائط مسدود.

بيد أن هذا التفاؤل الإيراني يرتطم بشروط واشنطن الحازمة، مع وجود تفاؤل أميركي حذر، بحيث أكد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال مقابلة مع "فوكس نيوز" أن المحادثات مع طهران سارت بشكل جيّد في بعض نواحيها، إذ اتفق الطرفان على عقد اجتماع لاحق، لكنه أوضح أن الإيرانيين ليسوا مستعدّين بعد للإقرار ببعض الخطوط الحمراء التي وضعها الرئيس دونالد ترامب، محذرًا من أن الرئيس الأميركي يسعى جاهدًا لإيجاد حل سواء عبر الخيارات الدبلوماسية أو غيرها، في حين كان مسؤول أميركي قد كشف لموقع "أكسيوس" أن محادثات جنيف "أحرزت تقدّمًا"، لكن "لا يزال هناك الكثير من التفاصيل التي يتعيّن مناقشتها"، موضحًا أن الإيرانيين عرضوا بعد المفاوضات العودة خلال الأسبوعين المقبلين مع مقترحات مفصّلة "لمعالجة بعض الفجوات القائمة في مواقفنا".

من ناحيته، اعتبر عراقجي أن المفاوضات كانت "إيجابية"، لكنه شدّد على أن "هذا لا يعني أننا نستطيع التوصل إلى اتفاق بسرعة، لكن العملية بدأت على الأقل، ونأمل في اختتامها في أقرب وقت ممكن، ونحن مستعدّون لتخصيص الوقت الكافي لها، غير أنه عند الانتقال إلى صياغة النصّ، يصبح العمل أكثر تفصيلًا وتعقيدًا". وذكر أنه لم يتم بعد تحديد موعد الجولة المقبلة من المحادثات، لافتًا إلى أن الجانبين اتفقا على إعداد مسودات نصوص لاتفاق وتبادلها ثم لاحقًا تحديد تاريخ للجولة المقبلة.

وبعد انتهاء المفاوضات، شارك عراقجي في المؤتمر الدولي لنزع السلاح، حيث حسم أن حق إيران في تخصيب اليورانيوم "حق جوهري وغير قابل للتفاوض وملزم قانونًا، كما أنه غير مشروط باعتبارات سياسية ولا يمكن تعليقه أو إعادة تفسيره بشكل تعسفي". وكانت طهران قد أكدت قبل نهاية المفاوضات أن الأخيرة تتسم بجدية عالية، موضحة أنه جرى "الدخول في مناقشة تفاصيل دقيقة تتعلّق برفع العقوبات والقضايا النووية، فيما يضطلع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل غروسي بدور فني في نقل وجهات النظر بين الجانبين".

في السياق، كشف وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي توسّط بين الوفدين الأميركي والإيراني، أن المفاوضات اختتمت "بإحراز تقدّم جيّد نحو تحديد الأهداف المشتركة والمسائل التقنية ذات الصلة، وكانت روح اجتماعاتنا بناءة، وبذلنا معًا جهودًا جادة لتحديد عدد من المبادئ التوجيهية لاتفاق نهائي"، لافتًا إلى أن إسهام غروسي "كان محل تقدير كبير". لكنه رأى أنه "لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعيّن إنجازه، وغادر الطرفان مع خطوات تالية واضحة قبل الاجتماع المقبل".

ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين إيرانيين قولهم إن طهران مستعدّة لتقديم تنازلات عبر وقف تخصيب اليورانيوم موَقتًا لمدّة تصل إلى ثلاث سنوات ونقل بعض المخزونات إلى الخارج. وذكرت أن بعض الدبلوماسيين الإقليميين يفكّرون بصورة أوسع ويدفعون نحو خطة متعدّدة النقاط تشمل كل شيء من التزامات بعدم الاعتداء إلى صفقات تجارية. وقال مسؤولون إيرانيون إن طهران تريد، كحد أدنى، وصولًا سريعًا إلى نحو 6 مليارات دولار من عائدات النفط الإيرانية المجمّدة في قطر بموجب قيود أميركية. وتعمل عُمان وقطر على تنظيم قمة إقليمية لمناقشة القضايا غير النووية، حسب مسؤولين عرب.

وألقى خامنئي كلمة عالية النبرة أمس قال فيها إن "الرئيس الأميركي قال في أحد خطاباته الأخيرة إن أميركا لم تتمكّن طوال 47 عامًا من القضاء على الجمهورية الإسلامية، وقد اشتكى لشعبه من ذلك، هذا اعتراف جيّد، وأنا أقول: وأنت أيضًا لن تستطيع فعل ذلك"، محذرًا من أن "رئيس أميركا يصرّ على تكرار مقولة إن جيشنا هو الأقوى في العالم، لكن أقوى جيش في العالم قد يتلقى صفعة قویة تجعله غير قادر على النهوض". وهدّد بأنه "يقولون باستمرار لقد أرسلنا حاملة طائرات أميركية نحو إيران... حسنًا، صحيح أن حاملة طائرات قطعة حربية خطرة، لكن الأخطر منها هو السلاح القادر على إغراقها في قعر البحر"، جازمًا بأن "أمة مثلنا، بما تمتلكه من ثقافة وتاريخ ومعارف رفيعة، لن تبايع أشخاصًا فاسدين يحكمون أميركا".

وتحدّث خامنئي عن أن "الأميركيين يقولون تعالوا لنتفاوض في شأن طاقتكم النووية، على أن تكون نتيجة التفاوض هي تخليكم عن هذه الطاقة"، حاسمًا أنه "لا مجال للتفاوض هنا، لكن حتى لو تقرّر إجراء مفاوضات، فإن تحديد نتيجتها مسبقًا هو فعل خاطئ وأحمق". واعتبر أن "حقنا في الطاقة النووية أمر مسلم به... لكل الدول الحق في امتلاك منشآت التخصيب والمرافق النووية، هذا جزء من حقوق الشعب، فلماذا يتدخل الأميركيون في ذلك؟". وشدّد على أن "أحد مؤشرات زوال الإمبراطورية الأميركية هو افتقارها إلى المنطق، ففي قضية التسليح يقولون: يجب ألّا يتجاوز مدى صواريخكم كذا وكذا، وما شأنكم أنتم؟ إن أي بلدٍ لا يمتلك أسلحة ردع، سيُسحق تحت أقدام الأعداء".

تزامنًا، أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن طهران أغلقت مضيق هرمز بضع ساعات أمس، من دون توضيح ما إذا كان قد أعيد فتحه بالكامل، بعدما أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني أن إيران ستغلق مضيق هرمز جزئيًا لساعات عدة للقيام بمناورات عسكرية ضمن المرحلة الثانية من المناورات التي أطلقها "الحرس الثوري" الإثنين تحت شعار "التحكم الذكي في مضيق هرمز". وحسم قائد القوات البحرية في "الحرس" علي رضا تنكسيري أن قرار إغلاق المضيق بيد كبار مسؤولي النظام، في وقت تحشد فيه أميركا مزيدًا من القوات في الشرق الأوسط تحسبًا لعمل عسكري محتمل ضدّ إيران، إذ أرسل ترامب خلال الأيام الأخيرة مجموعة حاملة طائرات ضاربة ثانية إلى المنطقة، كما انتقلت أكثر من 50 طائرة مقاتلة من طراز "أف 35" و"أف 22" و"أف 16" إلى المنطقة بين يومَي الإثنين وأمس، حسب "أكسيوس".

إلى ذلك، كشفت قناة "إيران إنترناشيونال" المعارضة أنه بالتزامن مع أجواء أمنية مشدّدة في مدينة آبدانان، حاصرت قوات الأمن الإيرانية معارضين كانوا يحيون مراسم أربعينية لبعض ضحايا قمع الثورة الأخيرة، وأطلقت النار في اتجاههم. وأفادت بسقوط قتلى وجرحى في المدينة، مشيرة إلى انقطاع أو اضطراب خدمة الإنترنت في أجزاء منها. وهتف الحاضرون "الموت لخامنئي" و"يعيش الشاه". وأظهرت مقاطع فيديو نشرتها منظمات حقوقية، حشودًا تهتف بشعارات مناهضة للسلطات في مراسم أربعينية في مدينتي مشهد ونجف آباد. وشهد عدد من مدارس البلاد غيابًا منسّقًا للطلاب تكريمًا لقتلى الاحتجاجات.