يخوض الممثل يورغو شلهوب السباق الرمضاني هذا العام من خلال مسلسل "المحافظة 15"، بدَور "فؤاد كامل" إلى جانب الممثلة وكاتبة العمل كارين رزق اللّه. "المحافظة 15" مسلسل دراميّ اجتماعيّ سياسيّ من إخراج سمير حبشي، وإنتاج "مروى غروب" للمنتج مروان حداد، تعرضه قناة "mtv" يوميًّا الساعة 9:30 ليلًا، ويُطلّ فيه إلى شلهوب ورزق اللّه، الممثلون فيفيان أنطونيوس، لمى لاوند، أنطوانيت عقيقي، نور غندور، حسن خليل، عدنان أبو الشامات، هيثم المصري، وآخرون.
يجسّد شلهوب شخصيّة "فؤاد كامل" التي يؤدّيها أيضًا الممثل بيو شيحان إنما في مرحلة الشباب. و "فؤاد" شاب طموح محبّ للحياة يعيش قصة حب مع "مونيا" (كارين رزق اللّه)، فتاة ذات روح ثوريّة متمرّدة على "النظام السوري" (السابق) خلال فترة وجوده العسكريّ والسياسيّ في لبنان. ورغم أن "فؤاد" لا يميل إلى السياسة ولا يرغب في الانخراط في الصراعات، لكن حبّه الشديد لـ "مونيا" وخوفه عليها، دفعاه إلى مشاركتها التظاهرات. هذا الخيار العاطفيّ والإنسانيّ يقوده إلى الاعتقال، ليقضي أكثر من عشرين عامًا خلف القضبان.
سنوات القهر والعزلة تعيد تشكيل شخصية "فؤاد" وتترك ندوبًا عميقة في روحه، فيخرج من السّجن رجلًا آخر إلى عالم تغيّر بالكامل، وإلى حبّ قديم تغيّر هو الآخر بفعل الزمن والخيارات القاسية. تتحوّل مشاعر العشق إلى مشاعر عتاب وقهر وأحيانًا كراهية، وهنا يفتح المسلسل الباب أمام أسئلة كبرى: هل يمكن للإنسان أن يستعيد ذاته بعد أن تُسلَب منه حياته؟
إنسانية تتجاوز السياسة
من أبرز الخطوط الدراميّة في "المحافظة 15"، أسرة سوريّة تؤدّي دورًا محوريًّا في أحداث المسلسل. هذه الأسرة، كما يقول الممثل يورغو شلهوب لـ "نداء الوطن"، عانت بدَورها من سياسات "نظام الأسد"، شأنها شأن العديد من العائلات اللبنانية والسورية. في السجن، يلتقي "فؤاد" شابًا (يؤدي دَوره الممثل حسن خليل)، معتقلًا لفترة قصيرة لكنه يشاركه الظروف القاسية نفسها. هذا الخط الدرامي يسلّط الضوء على معاناة مشتركة تتجاوز الانتماءات، ويؤكّد رسالة واضحة: لا ينبغي الخلط بين النظام السياسي والمواطن. وبذلك، يحرص المسلسل على التمييز بين مسؤولية الأنظمة وأوجاع الشعوب، رافضًا تعميم مشاعر الكراهية.
بهذا المعنى، لا يكتفي مسلسل "المحافظة 15" بطرح حكاية حبّ، بل يقدّم معالجة إنسانية لمرحلة تاريخيّة حسّاسة من العلاقة بين البلدَين من زاوية الألم المشترك والذاكرة الجماعيّة.
خيار موفق
لا يخفي النجم يورغو شلهوب إعجابه بأداء الممثل بيو شيحان ("فؤاد" الشاب) ويصفه بالشاب الموهوب والبارع، معتبرًا أن تسليم شخصيّة بهذه الحساسية في المسلسل إلى ممثل شاب كان خيارًا موفقًا، لأن المُشاهد يتابع انتقال الشخصيّة بين مرحلتَين عمريَّتَين مختلفتَين، ما يتطلّب انسجامًا دقيقًا في الأداء بين الممثلَين للحفاظ على وحدة الملامح النفسية.
هذا التداخل بين مرحلتَي الشباب والكهولة، يمنح العمل عمقًا إضافيًّا، إذ يتيح للمُشاهد مقارنة التحوُّل الداخليّ الذي طرأ على "فؤاد"، بين مرحلة الحلم والبراءة من جهة، ومرحلة الصلابة والانكسار من جهة أخرى.
ثنائية تتجدّد
في جانب آخر، يشكّل اجتماع يورغو شلهوب وكارين رزق اللّه على الشاشة الصغيرة مجدّدًا، محطة لافتة في الدراما اللبنانية، ليس فقط لكونهما اسمَين بارزَين، بل لأن العلاقة الفنية بينهما أثبتت سابقًا قدرتها على صناعة عمل جماهيري ناجح. فمنذ تعاونهما في مسلسل "قلبي دق"، نشأت بينهما كيمياء واضحة انعكست على الشاشة عفويةً في الأداء وصدقًا في المشاعر، وهو ما التقطه الجمهور سريعًا وتفاعل معه بشدّة.
يؤكّد شلهوب في حديثه معنا أن المنتج مروان حداد كان يدرك أن عودة هذه الثنائية ستحدث ضجّة في السباق الدراميّ، خصوصًا أن جمهور التلفزيون لا يزال يحتفظ بصورة إيجابية عن تجربتهما السابقة. ويكشف أن حداد هو من بادر إلى الاتصال به وعرض النصّ عليه، مشيدًا في المقابل بقلم كارين رزق اللّه ونصّها، ومعتبرًا أن "السكريبت" ممتاز ومميّز ويحمل رؤية واضحة ومتكاملة.
بعد قراءة الحلقة الثانية من المسلسل، شعر الممثل يورغو شلهوب على ما يقول لنا، بأن المشروع يحمل عمقًا دراميًّا يستحق المغامرة، وأن العلاقة المكتوبة بين شخصيّتَي "فؤاد" و "مونيا" تتجاوز إطار الرومانسية التقليدية إلى مساحة إنسانية أكثر تعقيدًا، تختبر الحبّ تحت ضغط السياسة والسجن والزمن.
الإنتاج في زمن الأزمة
على صعيد آخر، وفي ظلّ الظروف الاقتصاديّة الصعبة التي يعيشها لبنان، يعتبر شلهوب أن هذا المسلسل يُحسب لشركة "مروى غروب". ويقول بطل العمل إن إنتاج مسلسل بهذا الحجم، يتناول حقبة زمنية طويلة ويتطلّب مواقع تصوير متعدّدة وأجواء سجن واقعية، يُعتبَر تحدِّيًا كبيرًا بإمكانات محدودة نسبيًّا. ويثني على جرأة المنتج مروان حداد في خوض هذه المغامرة، مؤكِّدًا أن النتيجة كما ظهرت "عمل ضخم ومتكامل يقف خلفه فريق محترف على مختلف المستويات".
تجربة جريئة
لقد أثبت الممثل يورغو شلهوب منذ الحلقات الأولى لمسلسل "المحافظة 15"، أنه لا يكتفي بحمل بطولة عمل درامي، بل يذهب أبعد من ذلك حاملًا الدَّور إلى مستوى آخر من الصدق الفني. فالمُشاهد هنا لا يتابع ممثلًا يؤدّي دورًا، بل إنسانًا يُعرّي هشاشة الشخصيّة أمام الكاميرا، فيُبكينا مع "فؤاد" حين يختنق بالصمت، ونبتسم معه حين يلمع بصيص أمل في عتمته. وبفضل خبرةٍ صقلها الزمن وموهبةٍ أثقلتها التجارب وإرث حمله من جينات والدَين نجمَين قديرَين جورج شلهوب وإلسي فرنيني، نجح شلهوب الابن في نقل المُشاهد من أريكته إلى قلب الحكاية، حيث تختلط الذاكرة بالألم، ويتحوّل السجن من مكانٍ ماديّ إلى حالةٍ نفسية طويلة الأمد. لذلك، لا يبدو "المحافظة 15" مجرّد مسلسل رمضاني عابر بل تجربة إنسانية جريئة في مصارحتها، عميقة في طرحها، كما أرادتها كاتبتها كارين رزق اللّه، تلامس السياسة من دون ضجيج، وتغوص في الحبّ حين يُختبر بأقسى الظروف. ومن خلال شخصيّة "فؤاد كامل"، يفتح يورغو شلهوب جرح سنوات من العتمة، ليطرح بهدوء سؤالًا موجعًا يبقى مع المُشاهد بعد انتهاء كلّ حلقة: هل تستطيع الروح مهما طال سجنها، أن تستعيد نورها من جديد؟