الدكتور سايد حرقص

نرجسية التشريع وقدسية السلاح

3 دقائق للقراءة

لا تبدو منهجية الرئيس بري في إدارة المجلس النيابي مختلفة في جوهرها عن منهجية حزب الله في مقاربة مسألة حصرية السلاح بيد الدولة. فالمسألتان، وإن بدتا منفصلتين في الشكل، تلتقيان في منطق واحد قوامه استباحة الدستور، وتهميش المؤسسات، وتحويل الشأن العام إلى مساحة نفوذ مغلقة لا تحتمل شراكة فعلية، وترفض الرأي المختلف، وتدّعي احتكار الحقيقة.

إن إدارة السلطة التشريعية، من إعداد جدول الأعمال إلى تحديد روزنامة الجلسات العامة وطريقة إدارتها، لم تعد في عهد الرئيس بري أدوات تقنية محايدة، بل تحوّلت إلى أدوات سلطة بامتياز. وعندما تتحوّل هذه الأدوات إلى وسائل لاحتكار القرار، أو تأجيل الاستحقاقات، أو التحكّم بمسار التشريع تبعاً لحسابات سياسية ضيقة، نكون أمام منهجية تتجاوز حدود الاجتهاد الدستوري لتلامس حدود التعطيل المقنّع.

في المقابل، يرفع حزب الله سلاحه إلى مقام المقدّس، ويربطه بمفاهيم دينية معيّنة، كفكرة عودة المهدي المنتظر، مستخدماً أحياناً خطاباً استفزازياً بلغ ذروته في قول الشيخ نعيم قاسم: «طويلة على رقبتكن»، في خطوة تخرج عن إطار الإجماع الوطني ومفهوم الدولة الحديثة. فبدلاً من اعتبار السلاح مسألة سيادية مرتبطة حصراً بمؤسسات الدولة الشرعية، يُقدَّم كأمر واقع فوق النقاش، وكأنه حق مكتسب يسمو على إرادة بقية اللبنانيين وخياراتهم السياسية والاجتماعية والثقافية. هنا لا يعود الخلاف تقنياً حول آلية دفاع أو استراتيجية أمنية، بل يصبح خلافاً حول مفهوم الدولة نفسه: هل الدولة هي المرجعية النهائية، أم أنها إطار شكلي يتعايش مع مراكز قوة موازية؟

ما يجمع بين التجربتين هو منطق المشاركة في الشأن العام القائم على تجاهل الآخر وتخوينه. فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع تُفتح وتُغلق كل بضع سنوات، وليست أرقاماً تُجمع لتُعلن أكثرية وأقلية، بل هي قبل كل شيء ثقافة سياسية وأخلاق عامة. هي اعتراف متبادل بين المكوّنات بأن لكل طرف حقاً في الوجود والمشاركة، وأن لا أحد يحتكر الحقيقة أو الوطن. الديمقراطية تقوم على الإقرار بشرعية الاختلاف لا السعي إلى إلغائه، وعلى إدارة التنوّع بالحوار والمؤسسات لا بالقوة أو التعطيل. وعندما يُختزل العمل العام بإرادة طرف يعتبر نفسه صاحب حق دائم، تتحوّل المؤسسات إلى واجهات شكلية، ويصبح الدستور نصاً قابلاً للتأويل تبعاً لموازين القوى.

إن التطابق بين النرجسية السياسية في إدارة السلطة التشريعية، والنرجسية الأيديولوجية التي تمنح حزباً مسلحاً القدرة على انتزاع حق الدولة السيادي في قرار الحرب والسلم، ليس صدفة عابرة، بل هو نتاج تراكم مزمن لثقافة سياسية تعتبر الدولة مساحة تفاوض على النفوذ، لا كياناً مستقلاً ذا سيادة.

لبنان اليوم لا يواجه أزمة نصوص، بل أزمة منهجية في التعامل مع النصوص. وأي خروج من هذا المأزق لا يبدأ بتعديل مادة هنا أو هناك، بل بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والدستور، وبين القوة والشرعية، وبين الشراكة والتفرّد. فالدولة لا تُبنى بمنطق الاستقواء على الشركاء في الوطن، بل بمنطق التوافق على قواعد واضحة تحكم الجميع دون استثناء.

وعليه، فإن النقاش حول إدارة المجلس أو حصرية السلاح هو اختبار فعلي لقدرة اللبنانيين على استعادة فكرة الدولة من قبضة المنهجيات التي تتعامل مع لبنان كساحة لا كوطن. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ثمّة إرادة حقيقية للانتقال من منطق الاستقواء إلى منطق الدولة؟