روجيه نهرا

رمضان حزين في البلدات الحدودية المدمّرة

5 دقائق للقراءة

يأتي شهر رمضان المبارك في الجنوب للعام الثاني على التوالي في أجواء حزينة، وتلاحق المعاناة أبناء القرى الحدودية المدمرة. فلا منازل تأويهم والعائلات تفرقت وتوزعت على البلدات الجنوبية. مظاهر المناسبة غائبة كليًا، العادات والتقاليد التي تترافق عادة مع يوميات رمضان ولا سيما اجتماع العائلات ولقاء الأحباب والتحضير للإفطار وإحياء تراث هذا الشهر الفضيل، اختفت نهائيًا، ظروف العيش بأمان وكرامة غير متوفرة، وجل ما يفكر به سكان القرى الحدودية المدمرة اليوم هو، كيف يحافظون على أنفسهم وعائلاتهم وتأمين مصدر رزقهم، على الرغم من قساوة الحياة وظروف العيش الصعبة، كما إن القوات الإسرائيلية المتمركز على تخوم البلدات، تستمر في تفجير المنازل على رؤوس أصحابها، وتمنع الأهالي من التجول داخل قراهم وعلى أنقاض منازلهم المهدمة.

غير أن سكان المنطقة يصرّون على إحياء تراث هذا الشهر الفضيل بكل معانيه. ويجمعون على تحدي الواقع الأليم الذي يعيشونه ويتمسكون بـأرضهم وممتلكاتهم وممارسة شعائرهم الدينية مهما غلت التضحيات، ولا تغيب الغصة عن عيونهم. وكانوا يأملون بمستقبل أفضل بعد انتهاء الحرب في العام 2024 لكي يعودوا إلى قراهم ويحيون عادات وتقاليد هذا الشهر الفضيل داخل منازلهم وبين أبنائهم وعائلاتهم.

يقول  ابن كفركلا موسى سليمان لـ "نداء الوطن" في المناسبة: "سنحيي عاداتنا الدينية في اليوم الأول من شهر رمضان المبارك ضمن إمكانياتنا المادية وظروف العيش في كفركلا حيث العدو الإسرائيلي أمامنا، نحن نحاول  إقامة مأدبة إفطار على مائدة فقيرة بأنواع أطباقها ولكنها غنيّة بمعانيها، أبناء منطقة مرجعيون متجذرون بأرضهم ومتمسكون بشعائرهم الدينيّة مهما كانت ظروف الحياة صعبة ومأسويّة وقاسية، ونحن نصنع من الضعف قوة وما يهمنا في المنطقة أن نرى مستقبل أفضل لأولادنا ومجتمعنا ولوطننا، دافعنا عن كل الوطن ولم نجد من يدافع عن بلدتنا بعد مضي عامين ونيف على الحرب والدمار".

تختصر عائلة سليمان وضعية العائلات الجنوبية التي تصر على العيش في قراها بالرغم من الظروف الأمنية الصعبة، فأبناء هذه القرى صامدون إلى ما لا نهاية في قراهم المدمرة. وينتظرون بفارغ الصبر استتباب الأمن والسلام، وبخاصة في بلدات كفركلا، العديسة، رب ثلاثين، مركبا، حولا، ميس الجبل وصولًاا إلى بلدة بليدا في قضاء مرجعيون.

وأوضح  سليمان: "أن تأمين البضائع في كفركلا هو العائق الأساسي. فلا توجد محلات تجارية ولا عائلات في القرية. ففي الحي الموجود فيه تقطنه عائلة ثانية غير عائلتي. وبصعوبة نستطيع أن نؤمّن حاجاتنا اليومية". وأضاف "أجواء رمضان ناقصة ومأسوية فإذا نظرنا فقط إلى حجم الدمار في القرية نشعر باليأس والإحباط والألم ناهيك عن الشعور بالوحدة فلا أحد في القرية نستطيع أن نذهب إليه لنصوم  سويًّا، أو لكي نجلس إلى مائدة الطعام. فلا علاقات اجتماعية ولا أي تحركات خارج المألوف والخوف سيد الموقف".

ويصف ابن بلدة كفركلا السيد حسن عبد الرضى فارس حالته المأسويّة قائلًا: "يا ريت رمضان لم يأتِ ونحن على هذه الحال". ويعتبر "أن هذا الشهر الفضيل من أصعب أشهر السنة"، وقال: "كنا نجتمع يوميًا خلال شهر رمضان قبل الحرب مع كامل أفراد العائلة وإلى طاولة واحدة لتناول وجبة الإفطار" ويصفها بأنها كانت من أسعد لحظات حياته.

وأضاف: "لا طعم لهذا الشهر هذه السنة. فكل ما كنا نملك أصبح رمادًا ، على الرغم من أننا بنينا بيوتنا بتعبنا وجهدنا المتواصل، إلّا أن الظروف أتت عكس ما كنا نتمنى، وأطاحت بكل شيء، ولا أحد يسأل أو يساعد، بل على العكس، يستثمرون في هذا الشهر  وخاصة في المأكولات ويرفعون الأسعار ولا سيما في منطقة النبطية، دون حسيب أو رقيب، بينما في منطقة مرجعيون ما زالت الأسعار جيدة، فهذا دليل على أنانيّة التجار وتفكيرهم المادي فقط". واعتبر "أن الصمود هو عنوان هذه المرحلة، ولا أحد يستطيع أن يمنعنا من إحياء تراث رمضان لكن في القلب غصة لأن رمضان ناقص على جميع الأصعدة".

واعتبر إمام بلدة كفركلا السيد عباس فضل الله: "أنّ إحياء شهر رمضان في بلدة كفركلا اليوم يختلف عن السنوات الماضية، فلا أصوات المآذن تصدح ولا الدعاء بعد الغروب يُسمع... صلاة الظهرين في المسجد لم تعد تُقام، وسكت صوت الخطيب... والموعظة البالغة غدت صمتًا طويلًا... لقد كانت الأجواء أكثر دفئًا رغم البرد ولطفًا رغم الحر... كانت للصوم نكهته، لأنك في بلدك وبين أهلك..! إن ترميم المشهد يحتاج إلى معجزة... والوصول إلى لحظة اللاعودة مزعج ومقلق... العام الماضي ووسط الدمار أقيمت صلاة عيد الفطر، ونحن نشعر بشوق كبير وحنين للماضي... ولكن مع استمرار الإبعاد القسري عن بلدنا يشعر المرء بالإحباط الشديد...  فماذا تعني العودة الى صخور صماء وأشجار مقتلعة ومنازل خلت من الفرح؟ إنها معاناة لاستعادة لون شهر الألفة وجمع العائلات إلى مائدة إفطار واحدة... فلا نعلم كم نستطيع الفرح مع الازمة الاقتصادية الخانقة وقلة فرص العمل وقتامة المشهد السياسي الذي لا يبشر بخير".

وخلص إمام بلدة كفركلا إلى القول: "وإذ نبارك للأمة الإسلامية بحلول شهر رمضان المبارك، فإننا نبارك لشركائنا في الوطن المسيحيين الأعزاء بمناسبة صوم الإيمان... آملين أن تجمعهم الكلمة الصالحة الواحدة كما جمعهم الصوم الواحد كأبرز دليل على أن الله واحد. ويبقى شهر الصوم محطة عبادة وصلاة ودعاء لله... وعلى أمل أن يكون الآتي أفضل وأجمل نصوم... والثواب عند الله".