لا يمكن اختزال المشهد القائم اليوم بين واشنطن وطهران بعنوان واحد أو بمسار واضح، إذ إنه يجمع بين نقيضين، فـ "المفاوضات جارية" ولكن "الحرب وشيكة"، ما يعكس حقيقة غرابة المشهد وتعقيداته وضبابتيه، وهو أقرب إلى حالة "شدّ استراتيجي" تحكمها فجوة عميقة في الخلفيات والأهداف والغايات. ولعلّ الضبابية تعكس حقيقة الموقف الإيراني الضبابي، إذ إن طهران هي من يسعى إلى التفاوض، ومفاوضوها يبدون ليونة كلامية تشير إلى إمكانية التنازل في مكان ما، غير أن خطاب القادة الإيرانيين شديد الوضوح بأنهم غير مستعدّين لأي تفريط بحقهم في التخصيب ولا حقهم في تطوير الصواريخ، وهم يكرّرون دعمهم الكامل لشركائهم في المنطقة.
في المقابل، موقف الأميركيين أكثر وضوحًا، فهم يريدون إحداث تغيير جذري في المنطقة وإصبعهم كان عمليًا على الزناد لإحداث هذا التغيير، قبل أن يقدم حلفاؤهم في المنطقة على إقناعهم بأن إيران جاهزة للتفاوض وقادرة على التنازل، فقرّروا اعتماد "دبلوماسية البوارج الحربية"، وهم يرفعون مستوى جهوزيتهم على مدار الساعة لإبقاء كل خياراتهم مفتوحة. فالمسار التفاوضي مستمرّ شكليًا، لكنه يسير فوق أرضية متباعدة بالكامل بين الطرفين، ما يجعل احتمالات الاختراق محدودة، ويُبقي التصعيد العسكري في الخلفية كخيار حاضر لا كتهديد نظري.
جوهر الأزمة لا يكمن في تفاصيل تقنية تتعلّق بنسبة تخصيب أو آلية رقابة، بل في تعريف كل طرف لماهية "الاتفاق المقبول". يختصر الكاتب السياسي الأستاذ موفق حرب جوهر التباعد بقوله إن "الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان إنهاء الملف النووي نهائيًا، وتعتقدان أن أي اتفاق سيؤدّي تدريجيًا إلى نهاية النظام. أمّا إيران، فهي تريد من أي اتفاق أن يحافظ على نظامها، وأن يشكّل فترة تهدئة تستعيد خلالها أنفاسها، خصوصًا بعد الضربة الأخيرة خلال "حرب الـ 12 يومًا"، إضافة إلى الضربات التي طالت أذرعها في المنطقة". هذا التوصيف لا يعكس مجرّد اختلاف في التفاصيل، بل صراعًا حول النتيجة النهائية للعملية التفاوضية.
من هنا يمكن قراءة بقية المؤشرات المتراكمة في الإقليم: الحشد العسكري الأميركي المتواصل، حاملتا طائرات، مقاتلات وطائرات من أنواع مختلفة، منظومات دفاع متقدّمة... كلّ هذا لا يُفهم فقط كأداة ضغط تفاوضي بل كاستعداد تقني، ومن يعلم طريقة تفكير ترامب أو معاونيه من الصقور في الملف الإيراني، يدرك جيّدًا أن الرئيس الأميركي لا يمزح وأن هذا الحشد ليس استعراضيًا، بل يهدف إلى إحداث التغيير المطلوب. على الجانب الآخر، تظهر إيران وكأنها مسلوخة عن الواقع أو كأنها تقرأ في كتب أخرى لم تعد موجودة، فهي كلاميًا تلوّح بقدرتها على إغلاق مضيق هرمز، في رسالة واضحة بأن أي ضربة لن تكون بلا كلفة إقليمية ودولية. إنها معادلة ردع متبادل: واشنطن ترفع سقف القوة الجاهزة للاستخدام، وطهران ترفع سقف الكلفة المحتملة.
إذًا، المشهد معقد ومن المتوقع أن يجنح سريعًا نحو التصعيد بأي لحظة، فكل العوامل التي من شأنها أن تزيد المشهد تعقيدًا مجتمعة: فالمسار التفاوضي لم يحدث خرقًا، وإسرائيل ترفع من ضغوطها الداعية إلى عملية أوسع تتجاوز الضربات المحدودة، كما أن النظام الإيراني في أضعف حالاته بعد الاحتجاجات الداخلية والاستنزاف الإقليمي، أضف إلى ذلك حسابات سوق النفط التي قد تتمكّن من احتواء صدمة محدودة إذا بقي التصعيد مضبوطًا. لكن رغم كل هذه المؤشرات، قد لا تبدو الحرب حتمية. المشكلة الأساسية ليست في غياب التفاوض، بل في اختلاف تعريف الهدف منه. ما تعتبره واشنطن اتفاقًا نهائيًا حاسمًا، تراه طهران تهديدًا وجوديًا. وما تعتبره إيران هدنة ضرورية لإعادة التوازن، تراه أميركا فرصة ضائعة لإغلاق الملف.
هكذا يقف المشهد على حافة قرار، لا على حافة انفجار تلقائي. فإذا فشل التفاوض في ردم الفجوة بين الغايات، قد تتحوّل رسائل الردع إلى فعل عسكري حاسم يستهدف ما هو أبعد من تقليص البرنامج الصاروخي ووقف تطوير النووي، ألا وهو إضعاف بنية النظام نفسه وصولًا إلى إسقاطه. أمّا إذا نجح الطرفان في إيجاد صيغة وسط، فستكون طهران أمام امتحان الشعب الإيراني الذي يغلي وجعًا وألمًا ويراقب نظام الملالي الذي مارس الوحشية البربرية الدموية بوجه شعبه، لكنه قدّم تنازلات كبرى لترامب والأميركي. بين هذين الاحتمالين، تبقى المنطقة معلّقة على كف عفريت والتغيير المنشود آت لا محالة: فإن ساومت إيران سقطت أمام ناسها، وإن قاومت سقطت أمام أعدائها.