أندريه مهاوج

فرنسا تغرّد خارج السرب الأميركي

4 دقائق للقراءة
انعقاد اجتماع "مجلس السلام" تزامن مع وجود ماكرون في الهند (رويترز)
باريس

رافقت ثلاثة تطوّرات لافتة اجتماع "مجلس السلام" الخميس برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهي غياب فرنسا عنه، التصعيد الكلامي لترامب في شأن مهلة الأيام الـ 10 لمعرفة ما إذا كان التوصّل إلى اتفاق مع إيران أمرًا ممكنًا، ومقاربة كلّ من أميركا وإسرائيل لأيّ عمل عسكريّ ضدّ إيران. هذه العناصر مجتمعة تعكس إعادة تموضع فرنسية حذرة، تحاول من خلالها باريس تثبيت خطها السياسي القائم على الدبلوماسية المشروطة وتفادي الانزلاق إلى منطق المواجهة المفتوحة.

وبات من الواضح أن لدى فرنسا مقاربة مختلفة تمامًا عن المقاربة الأميركية التي تضع خيار العمل العسكري على طاولة المفاوضات أو تحقيق السلام بالقوّة، وتجلّى هذا التباين بإعادة تأكيد باريس أن الأولوية يجب أن تُمنح للمفاوضات، لأنها وحدها القادرة على منع إيران من الوصول إلى سلاح نووي على المدى البعيد. وقد أظهر التاريخ الحديث، أحيانًا بشكل مؤلم، أن تغيير الأنظمة لا يُفرض من الخارج، وفق الخارجية الفرنسية.

المؤشر الثاني تجلّى بغياب مشاركة فرنسا في اجتماع "مجلس السلام"، وبإعلان باريس أنها فوجئت بمشاركة مسؤول من المفوضيّة الأوروبيّة، موضحة أن المفوضيّة لا تمتلك تفويضًا لتمثيل الدول الأعضاء. صحيح أن أجندة مواعيد الرئيس إيمانويل ماكرون لم تكن تسمح له بالمشاركة، لأن انعقاد الاجتماع تزامن مع وجوده في الهند، ولكن غياب فرنسا حمل رسالة سياسية. الخارجية الفرنسية برّرت الغياب بوجود غموض في نطاق عمل المجلس. عمليًا، تريد فرنسا تفادي الانخراط في أطر سياسية غير محدّدة قد تتحوّل إلى منصّات اصطفاف أو أدوات ضغط خارج التوافقات الدولية.

من هذا المنطلق، تشدّد باريس على تشجيع المفاوضات مع طهران وتريد أن تكون هذه المفاوضات بأقصى قدر من الصرامة، كما أن فرنسا لا يمكن أن تتجاهل عنف الدولة الذي مارسه النظام ضدّ الشعب الإيراني، والذي سيجعل، على الأرجح، هذه المفاوضات، أكثر صرامة، وفق باريس. هذا الموقف ينسجم مع نهج فرنسي تقليدي: المشاركة حين تكون الأهداف واضحة ومؤطرة قانونيًا، والانسحاب حين يصبح المسار فضفاضًا أو قابلًا للتوظيف السياسي.

في المقابل، حديث ترامب عن مهلة محدّدة لإيران يُعيد إلى الواجهة أسلوب "الضغط الأقصى". تحديد إطار زمني قصير يحمل رسالة مفادها أن "الصبر الاستراتيجي" يقترب من نهايته، وأن الخيارات قد لا تبقى دبلوماسية فقط. غير أن باريس لا تبدو في وارد تبني هذا المنطق الزمني الضاغط. فهي ترى أن الملفات النووية المعقدة لا تُحسم بإنذارات قصيرة، بل بمسارات تفاوضية طويلة ومركّبة. وأسلوب الضغط بالنسبة إلى فرنسا لا يقوم على التهديد العسكري، بل بتضييق الخناق على طهران عبر العقوبات. هذا الأمر يظهر التباين الضمني بين المقاربة الأميركية القائمة على التصعيد المشروط، والمقاربة الفرنسية القائمة على الاحتواء التفاوضي.

باريس تشدّد على أمن رعاياها، ومصالحها، وفرض عقوبات على المسؤولين عن القمع الداخلي في إيران، وأخيرًا إبقاء باب المفاوضات مفتوحًا باعتبارها الوسيلة الوحيدة لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي بشكل مستدام. هذا التوازن يعكس فلسفة سياسية واضحة: الضغط بلا قطيعة، وإدانة الانتهاكات من دون إسقاط خيار الحوار. باريس لا تتبنى خطاب تغيير النظام، بل تكرّر أن التجارب السابقة أثبتت أن التحوّلات المفروضة من الخارج نادرًا ما تؤدّي إلى استقرار.

من خلال هذا التموضع، توجّه فرنسا رسالتين متوازيتين إلى كلّ من واشنطن وطهران. الرسالة الموجّهة إلى أميركا تفيد بأن فرنسا لن تنخرط تلقائيًا في منطق الإنذارات أو التصعيد. أمّا الرسالة الموجّهة إلى إيران، فهي أن القمع الداخلي لن يمرّ من دون كلفة سياسية وعقوبات. إنه خط رفيع بين الواقعية السياسية والمبدئية الحقوقية. فباريس تدرك أن أيّ تصعيد عسكري سيهدّد أمن المنطقة وأوروبا، لكنها لا تستطيع تجاهل المسألة النووية أو ملف حقوق الإنسان.

هذا ما يدفع إلى الاستنتاج أن غياب فرنسا عن اجتماع "مجلس السلام" لا يعكس انسحابًا من الدور، بل محاولة لضبط الإيقاع السياسي. أمّا في الملف الإيراني، فالموقف الفرنسي ثابت: لا للحرب، لا للسلاح النووي، ولا للإنذارات القصيرة الأمد. في مرحلة تتسم بالاستقطاب الحاد، تختار باريس التموضع في منطقة وسطى: حزم دبلوماسي بعيدًا من أي مغامرة عسكرية، وضغط محسوب بلا انفعال. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تسمح البيئة الإقليمية والدولية بمثل هذا التوازن الدقيق، أم أن منطق المهل القصيرة سيغلب في النهاية على منطق التفاوض الطويل؟