القاضي أنطوان الناشف

قرينة البراءة بين المفهوم القضائي الجزائي والمفهوم الإداري المتعلق بالتعيينات الإدارية

5 دقائق للقراءة

كثرت في الأسابيع الماضية التساؤلات والتحليلات والاحتجاجات بشأن تعيين مدير عام ما زال خاضعًا لتحقيقات جزائية دون أي حكم صادر بحقه مما جعل مجلس الوزراء يقر التعيين بالأكثرية المطلوبة بالاستناد إلى قرينة البراءة علمًا أن هذه القرينة تدخل ضمن المفهوم القضائي الجزائي أكثر من المفهوم الإداري للأسباب المحددة أدناه.  

أولًا: تعريف قرينة البراءة في المفهوم القضائي الجزائي

تعني قرينة البراءة أن كل شخص يبقى بريئًا إلى أن تثبت إدانته قانونًا بحكم قضائي نهائي، صادر عن محكمة مختصة، بعد محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع الضمانات الجوهرية ذات الصلة بالأصول والإجراءات المحددة قانونًا، وقد كرّست هذه القرينة النصوص الدولية العائدة لحقوق الإنسان وقانون أصول المحاكمات الجزائية في لبنان واجتهادات المحاكم الجزائية المختصة بوصفها مبدأً أساسيًا لا يجوز المساس به.

ثانياً: قرينة البراءة في النصوص الدولية

1 - نصت المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 في البند الأول منها على ما يلي:

كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئًا إلى أن تثبت إدانته قانونًا بمحاكمة علنية تؤمَّن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه يعدّ هذا النص أول تكريس دولي شامل لقرينة البراءة.

2 – نصت المادة 24 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 على ما يلي:

من حق كل متهم بجريمة أن يُعتبر بريئًا إلى أن يثبت عليه الجرم قانونًا. ويتميز هذا النص بطابعه الإلزامي للدول الأطراف، بخلاف الإعلان العالمي ذي الطبيعة التوجيهية.

3 - ورد في المادة السادسة – بند 2 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لعام 1950 ما يلي:

 "كل شخص متهم بجريمة يُعتبر بريئًا إلى أن تثبت إدانته وفقًا للقانون".

4 - نصت المادة الثامنة من الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان لعام 1969 على ما يلي:

"لكل شخص متهم بجريمة الحق في أن يُفترض بريئًا ما لم تثبت إدانته قانونًا".

5 - أكدت المادة 16 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان لعام 1969 على ما يلي:

المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، وفقًا للقانون، وفي محاكمة تؤمَّن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه

ثانيًا - قرينة البراءة في القانون اللبناني

1– لا ينص الدستور اللبناني بصراحة على قرينة البراءة، لكن مقدمة الدستور التي تتمتع بقيمة دستورية وفقًا لاجتهاد المجلس الدستوري تضمنت ما يلي:

تنص الفقرة (ب) من مقدّمة الدستور على أن لبنان عضو مؤسّس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان

وبما أن الإعلان العالمي (المادة 11) يكرّس قرينة البراءة، فإن هذا المبدأ يُعدّ جزءًا لا يتجزأ من الدستور.

2 - نصت المادة 4 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على ما يلي :

"المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم مبرم وهذا هو النص الأوضح والأهم في القانون اللبناني، ويؤكّد أن قرينة البراءة قاعدة أساسية تحكم كامل الدعوى الجزائية.

ثالثًا: النتائج القانونية لقرينة البراءة في الاجتهاد القضائي اللبناني

استقر اجتهاد المحاكم الجزائية المختصة على المبادىء التالية: 

1- عدم جواز معاملة المتهم كمذنب قبل صدور حكم نهائي.

2- إن عبء الإثبات يقع على سلطة الاتهام أي النيابة العامة كما إن الشك يُفسَّر لصالح المتهم.

3- لا يجوز بناء الإدانة على الظن أو الاحتمال كما إن قرينة البراءة ترافق المتهم في جميع مراحل الدعوى الجزائية ولا تزول إلا بحكم قضائي مبرم.

4 - منع وصف المتهم كمذنب قبل الحكم النهائي وبطلان أي إجراء ينتهك ضمانات الدفاع.  رابعًا- مفهوم ملاءمة القرار الإداري وانعكاسه على قرينة البراءة في التعيينات الاداريةيقصد بملاءمة القرار الإداري كون هذا القرار مناسبًا أو موافقًا أو صالحًا من حيث الزمان والمكان والظروف والاعتبارات المحيطة، أي بمعنى آخر هو إجراء موازنة بين ما يحققه القرار الإداري من منافع وما ينتج عنه مــن أضرار للتوصل إلى معرفة ما إذا كان هـذا القرار يحقق الصالح العام أم لا، وفيما إذا كانت المنافع التي تترتب من جراء تنفيذ القرار تفوق الأضرار التي يمكن أن تترتب عليه فيكون هذا القرار ملائمًا لمقتضيات الصالح العام، أما إذا كانت الأضرار المترتبة على تنفيذ القرار تفوق منافعه فهنا يكون القرار غير ملائم لمقتضيات الصالح العام.إن الاجتهاد مستقر على أنـه لا يجوز للإدارة ســحب أو الغاء ما يصدر عنها مـن قرارات بحجة أنها معيبة بعيب عدم الملاءمة لأن عدم الملاءمة ليس عيبًا قانونيًا، وأن ســلطة الإدارة مقتصرة على سـحب القرارات المخالفة للقانون أي المعيبة بعيب عدم المشروعية، وتكون مقيده في ممارسة هذه السلطة بالقيود التي يفرضها القانون بشأن المهل والإجراءات المنصوص عنها قانونًا.


إن أي تعيين لمنصب معيّن في الملاك الإداري العام أو المؤسسات العامة هو قرار إداري يجب أن يكون مستوفيًا الشروط االقانونية المطلوبة لكي لا يكون قابلًا للطعن والإبطال. وما من شك بأنه لا يمكن الطعن بقرار التعيين إذا كان الشخص المعين مستفيدًا من قرينة البراءة لأن هذا القرار لا يمكن اعتباره غير مشروع لهذه العلة ولكن على الإدارة المختصة (مجلس الوزراء في تعيينات الفئة الأولى) أن يأخذ في الاعتبار وبصورة حازمة مدى ملاءمة قرار التعيين وما قد ينتج عنه من أضرار ومدى ما يحققه من منافع فإذا كانت أضراره أكثر من منافعه أو سبّب حالة انعدام ثقة أو توترًا أو قلقًا أو عدم قبول عند فئة كبيرة من المنتفعين من خدمات المرفق العام فعند ذلك من الأفضل عدم إجراء هذا التعيين من أساسه أو الرجوع عنه وفقًا للمهل والأصول والإجراءات المحددة في القانون الإداري العام واجتهاد مجلس الشورى بهذا الصدد.