تحلّ الذكرى الرابعة لبدء الغزو الروسي لأوكرانيا غدًا في ظلّ استعار مستمرّ ومتصاعد للحرب وفشل الجهود الدبلوماسية الأميركية الآيلة إلى إنهائها. لا تزال الفجوة بين تصوّر كلّ من أوكرانيا وروسيا للحل كبيرة، رغم الخسائر البشرية والماديّة الهائلة التي تتكبّدها الدولتان يوميًّا. يعتبر البلدان الصراع بينهما وجوديًا، ما يجعل الدبلوماسية عاجزة عن إيجاد أرضية مشتركة يمكن البناء عليها. لذلك، من المتوقع أن تستمرّ حال الحرب طالما لم تتغيّر الظروف الميدانية بشكل دراماتيكيّ لمصلحة أحد الطرفين.
يصرّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تحقيق الأهداف التي وضعها لـ "العملية العسكرية الخاصة" عبر المفاوضات، رغم أن الوضع الميداني لا يدعم تصوّراته للحلّ، مستغلًّا رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أن تضع الحرب أوزارها بأسرع وقت ممكن، غير أن صمود الأوكرانيين عسكريًا أمام الروس، وسياسيًا أمام الضغوط الأميركية، منع حصول بوتين على تنازلات مجانية، كما أن تعزيز أوروبا دعمها العسكري والمادي والدبلوماسي لأوكرانيا، صدّ محاولة واشنطن وموسكو الاستفراد بكييف وفرض شروط صارمة عليها.
تشكّل الشروط الروسية استسلامًا عمليًا لأوكرانيا، إذ إنها تقضي بعدم حصول كييف على ضمانات أمنية غربية ذات معنى، وفرض قيود على الجيش الأوكراني عديدًا وعتادًا، والاعتراف بضمّ روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، والأقاليم الأربعة في شرق وجنوب شرق البلاد إثر الغزو الأخير، رغم أنها بعيدة من السيطرة عليها بشكل كامل. امتثال كييف لتلك الشروط يعني أن تصبح دولة مبتورة غير قادرة على الدفاع عن نفسها ومعزولة عن العالم وخاضعة للكرملين.
بناء على ذلك، من الصعب خضوع كييف للشروط الروسية طالما أن الجيش الأوكراني صامد ولم تتعرّض الجبهات للانهيار، خصوصًا أن التقدّم البرّي الروسي يحقق مكاسب محدودة جدًا مقابل ثمن هائل، إذ أفاد "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" في أواخر الشهر الماضي، بأنه سقط للقوات الروسية نحو 1.2 مليون جندي بين قتيل وجريح منذ بداية الحرب، وهو عدد خسائر يفوق ما تكبّدته أيّ قوة كبرى في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية، بينما أكد "معهد دراسة الحرب" أن القوات الروسية تقدّمت العام الماضي بمعدّل يتراوح بين 13 و 15 كيلومترًا مربّعًا يوميًا، مقابل كلفة بلغت 83 خسارة بشرية عن كل كيلومتر مربّع تمّت السيطرة عليه.
في المقابل، تشترط أوكرانيا الحصول على ضمانات أمنية أميركية - أوروبية مماثلة لضمانات "المادة الخامسة" من ميثاق "الناتو"، وعدم الاعتراف بسيطرة روسيا على الأراضي التي ضمّتها، وتجميد الجبهات استنادًا إلى خطوط السيطرة الحالية، فضلًا عن استعادة محطة زابوريجيا النووية. ترى روسيا أن الامتثال لتلك الشروط يعني هزيمة استراتيجية قد تهدّد بقاء نظام الكرملين، الذي بدأ الغزو أساسًا تحت ذريعة منع أوكرانيا من الانضمام إلى "الناتو"، وأقرّ رسميًا ضمّ الأقاليم الأربعة، ويدّعي ملكية محطة زابوريجيا النووية. لذلك تستكمل روسيا الحرب رغم الخسائر الفادحة والمكاسب المحدودة على أمل أن تنهار الجبهات عاجلًا أم آجلًا بحكم تفوّقها العدديّ، وأن يتوقف أو يتضاءل الدعم الغربي لأوكرانيا بسبب الخلافات بين دول "الناتو".
في ظلّ التناقض الجذري في مواقف وشروط طرفي النزاع، تبقى الكلمة للميدان الذي من المرجّح أن ينجم عنه في نهاية المطاف وقف للنار وتجميد للنزاع عند خطوط سيطرة معيّنة، من دون اتفاق سلام شامل، كما حصل في شبه الجزيرة الكورية إثر الحرب هناك في خمسينات القرن الماضي. لكن يبقى احتمال أن يؤدّي تغيير جوهري في الظروف الميدانية إلى تحقيق أحد الطرفين معظم شروطه ضمن اتفاق، مثل انهيار خطوط الدفاع الأوكرانية بسبب نقص حاد في عديد الجيش، أو تراجع كبير للجيش الروسي من جرّاء اضطرابات داخلية ناجمة عن النقمة الشعبية من المشكلات الاقتصادية والخسائر الفادحة في الأرواح.