"ما حكاه المثل ولم يره التاريخ"، لمؤلِّفَيه ميخائيل عيسى شاهين وسيدة رهيف شاهين، كتاب صادر عن "دار سائر المشرق"، يوثق الأمثال الشعبية وحكاياتها وأصولها. يسلّط الضوء على القصص الواقعية التي ولّدت هذه الحِكَم، ويُبيّن سياق كلّ مثل وشروحه بطريقة مباشرة وسلسة. اعتمد المؤلِّفان على المصادر الرقميّة وحكايات الأهل، للتثبّت من دقة المعلومات، وأعدّا خلاصة لكلّ مثل توضح قيمته الاجتماعية والتاريخية. يسعى الكتاب الذي تنشر "نداء الوطن" فصلًا منه، إلى الحفاظ على التراث الشعبي ونقله للأجيال القادمة، ويتيح للقارئ فهم سبب تداول الأمثال واستخدامها في الحياة اليومية، ليبقى التراث حيًّا في الذاكرة وعلى الألسنة.
من القلّوسة للقلّوسة إيّامنا بتكون منحوسة
كان جدودنا قديمًا مزارعين، يعيشون في القرى من غلال أراضيهم، وممّا تدرّه عليهم المنتوجات الزراعية. وحين يحلّ فصل الشتاء، يحلّ عليهم الضيق ويحكم عليهم بالسجن داخل بيوتهم، فيردّدون المقولة الشهيرة: "من القلّوسة للقلّوسة إيّامنا بتكون منحوسة".
فالنحس باعتقادهم يأتي من البطالة، إذ إنهم يتعطّلون عن العمل في الأيّام الماطرة، وعند اشتداد العواصف الهوجاء التي تحمل قساوة الطبيعة، البرد القارس، وهطول الأمطار بغزارة متواصلة. وهذا يحدث ابتداءً من اليوم السابع عشر من كانون الثاني من كلّ عام، نهار عيد مار أنطونيوس الكبير، لابس قلّوسة الرهبان، وتنتهي نهار عيد مار مارون الواقع في التاسع من شهر شباط، وهو أيضًا لابس قلّوسة الرهبان. ففي هذه الفترة الزمنية من فصل الشتاء يمتنعون عن الخروج من بيوتهم، ويشهدون الأيّام الأبرد، و "عيانة" بعد "عيانة" (الشتوة المصحوبة بالرعود، والعواصف). وخلاصة القول عند العامّة: "اللي بيصمد بهالبردات بيتخطّى كلّ الأمور الصعبة اللي واجهتو". ومن هنا يقولون عنها: "منحوسة"، ولكن بالحقيقة هي في قلب كلّ واحد تكون أيّام خير، وبركة، وصلاة. فيها تجتمع العيلة على المحبّة، والألفة، ويصلّون من أجل أن ينعم الله عليهم بالخيرات. ويصلّون من أجل الوطن، ويطلبون: "يا ربّ تنتهي كلّ الصعوبات".
كلّ شي فرنجي برنجي
كان والدي لا يقتني إلّا العدّة واللوازم الأصليّة، ويستعملها عند الحاجة، ويقول: "يا ولدي لا تشتري إلّا الغرض الأصليّ. والشيء الأصلي يمكنك أن تستعمله، من دون أن يُتلف، مدّة من الزمن. والأصلي يا ولدي يكون مصنوعًا في بلدان الفرنج "إنكليزي" أو "فرنسي" أو "إيطالي"... وتصادق والدتي على قوله نقلًا عن العارفين: "كلّ شي فرنجي برنجي"، ويعني قولها إنّ كلّ ما هو من تلك البلاد، وغريب عن وطننا، من صناعات، وأسماء، وعادات، وتقاليد هو أفضل من المحلّي، وممتاز، وحسن جدًا. فراح شعبنا يعامله في المقام الأوّل فيما عداه، ومنتوجاتنا دونه.
وجاء تعريف المقولة في التراث أن كلمة "فرنجي" تعريف منذ القدم أطلقه أجدادنا على أهل غرب قارّة أوروبا، وأصبح، مع مرور الزمن، يُطلق على كلّ ما هو غريب. أمّا "برنجي" فهي كلمة تركية دخلت لغتنا يوم كانت تركيا تحكم بلادنا، وبتنا نستعملها كأنها عربية، والمعنى المقصود منها يعني "الأوّل".
أكل البيضة والتقشيرة
"أكل البيضة والتقشيرة". وفي تعبيرٍ آخر: "بياكل البيضة وقشرتها وبيقول ما شفت شي". وتقال هذه العبارة لمن لم يكتفِ بأخذ ما لا حق له به، بل أخذ كلّ شيء، ولم يترك لغيره شيئًا!. كمن لم يكتفِ بأكل البيضة، بل من طمعه أكل قشرها أيضًا.
وتعود قصّة هذا المثل إلى راهبٍ محنك، صغير السن، يعيش في أحد الأديرة، كان يلجأ إلى حيلة خلال أيّام الصوم، والقطاعة، فيخبّئ ما تصل إليه يده من البيض ويأكله خلسة عن رفاقه. فجاء من يُخبر رئيس الدير أن الأخ حمل بيضة وخرج بها خارج سور الدّير ليأكلها، فطلب الرئيس من أحد الرّهبان أن يتعقب الأخ ويمسكه بالجرم المشهود، ويعود به إليه مع قشرة البيضة. فذهب الراهب وعاد بعد دقائق، وقال: "يا سيّدنا، الأخ أكل البيضة والتقشيرة". ومن يومها يطلق هذا الوصف على كلّ شخص يستطيع فعل ما يريد، ويأخذ ما له وما لغيره من دون أن يستطيع أحد أن يمنعه.
كرمال عين تكرم مرجعيون (أو مرج عيون)
تُرجّح المصادر أن رضا بك الصلح هو صاحب هذا القول المأثور. ويقول البعض إن المصدر الأساس هو للأرشمندريت يوحنا حرفوش. ويُستدلّ بالمثل على المحبة الكبيرة، والتقدير لشخصٍ ما، ومن أجل محبّة هذا الفرد تنال مدينة بأكملها المحبّة والتقدير. وقيل إن البارون إدموند جيمس دي روتشيلد، أحد زعماء الفرع الفرنسي لعائلة روتشيلد المالية، في نهاية القرن التاسع عشر، اشترى قرية المطلّة إحدى قرى منطقة مرج عيون في ذلك الوقت، من مالكها جبّور بك رزق الله من صيدا، وذلك في نطاق المخطّطات الأجنبية. وكان يومها الشيخ أبو ذياب علي الحجّار زعيم وشيخ قرية المطلّة، ومن زعماء الدروز المعروفين، وصاحب المكانة الرفيعة في منطقة وادي التيم.
استشاط الزعيم غيظًا وقاد إحدى حركات العصيان المسلّح ضدّ الدولة العثمانية، وتصدّى لإحدى حملاتها، وقتل أفرادها، وشتت شمل من تبقى منها. فاضطرّت الدولة يومها إلى تعيين السيّد ملحم راشد - زعيم مرج عيون - وسيطًا بينها وبين الحجّار، فلم تتوصّل إلى نتيجة. وبعدها توجّهت إلى نسيب بك جنبلاط ليقوم بالمهمّة، فقبل الحجّار الصلح على مضض، علمًا منه أن الأتراك غير مخلصين، وعمل بقول المثل: "إذا كان خصمك قويًا فصالحه لكي تتمكّن منه".
وذات يوم، قام قائمقام جديدة مرج عيون - رفعت بابان بيك - باستدعاء أبي ذياب لسببٍ ما. وعند المساء، بعد انتهاء المهمّة، امتطى فرسه عائدًا إلى قريته، فلم يصل إليها، بل وصلت الفرس عند صباح اليوم التالي إلى المطلّة من دون فارسها، فهبّ الأهالي يبحثون عنه فعثروا عليه مرميًا قرب نبع الحمام في مرج عيون.
اغتيل الزعيم وكثرت التكهّنات، فقيل إن القائمقام وراء مصرعه بواسطة كمين كان قد نصبه له. وأشيع أن أحد زعماء المنطقة كان يترصّد خطواته.
مرّت الأيّام وما زال مقتله سرًا لم يُكشف. إلّا أن البعض تكهّن بأن مقتل الزعيم يسهّل نزوح الدروز واقتلاعهم من المطلّة، بينما جماعة الحجّار اتهموا أهل جدَيدة مرج عيون بالجريمة، فذبحوا عسّاف الصغير على الفور قرب جسر الخردلي، وأخذوا يستعدّون للهجوم على الجدَيدة، لأن كما هو معروف أنّ أهل معروف لا ينامون على ضيم، وكم بالحريّ إن كان قتيلهم شخصية بارزة مثل شخصية علي الحجّار.
الهجوم على الجدَيدة أمر سهل للغاية من كافة النواحي، ولا يلقى مقاومة. ولهذا لجأ أهلها إلى بعض المراجع المسؤولة، وذهب بعض وجهائهم إلى بيروت، وقابلوا رضا بك الصلح، وطلبوا مساعدته فرفض، وقال لهم: "اقلعوا شوككم بأياديكم". وذكّرهم بالماضي عندما رفضوا وساطته أثناء اختلافهم مع أهالي صيدا، من حيث قالوا له: "إن صيدا ما بتعطي ريق حلو". وكان على علم بأنهم رفضوا وساطته بقضية مقتل علي الحجّار.
وكانت عليا فرنسيس، في ذلك الزمن، قد شقت طريقها لتصبح من أسياد المواقف في المنطقة. وكانت مشهورة بالذكاء، والفروسية، والشجاعة، وشعرت بأن الجوّ ملائم للقيام بمهمّة تبرئة أهل جدَيدة مرج عيون من دم علي الحجّار، وانتخبت وفدًا من وجهاء المسيحيّين في المنطقة، وذهبت إلى بيروت، وقصدت رضا بك الصلح فرحّب بها أجمل ترحيب، وطيّب خاطرها، وخواطر المرافقين، وقال في مستهلّ كلامه: "كرمال عين تكرم مرج عيون". ومن هنا بدأ المثل.
ويذكر أن البك قد ذهب إلى الجديدة، وقام بالتحقيق في جريمة الاغتيال، وكشف ملابساتها، وبعدها رفع تقريرًا يبرّئ ساحة المسيحيّين... تناقلت الألسن المثل المأثور: "كرمال عين تكرم مرج عيون"، وسُمع بلهجة أخرى: "لأجل عين تكرم مدينة". وفي هذه العبارة الكمّ الكبير من صدق الحبّ للمحبوب. وكيف أن محبّة فرد قد ينتج عنها تقدير ومحبّة كلّ أهل مدينة. وذلك من أجل خاطر ذلك المحبوب.
وكنا نسمع مرادفًا له: "على حجّة الوردة بتشرب العُلّيقة"، أو بأسلوبٍ آخر: "ع حجّة الورد بيشرب العلّيق". وإن تعدّدت اللهجات فالمضمون واحد.
أدب يُكتب بماء الذهب
سمع أحد الأبناء أمّه تطلب من جارتهم شويّة ملح! فقال لها: يا أمّي، لماذا تطلبين منهم الملح، وأنا بالأمس أحضرتُ لك كيس ملح كبير؟!. قالت له: يا ولدي، لأنهم دائمًا يطلبون من عندنا أشياء كثيرة، وهم فقراء، فأحببتُ أن أطلب منهم شيئًا بسيطًا لا يكلّفهم، وأنا أصلًا لستُ بحاجة له... لكنني أحببتُ أن أشعرهم أنني أنا أيضًا أحتاج لهم كي أسهّل عليهم أن يطلبوا أيّ شيء يحتاجونه من عندنا، وأن لا يخجلوا.
كان عمل المرأة نوعًا من أدب الجيرة، فقيل في حينها "أدب يُكتب بماء الذهب"... وأنتم تفقدوا جيرانكم، وإخوتكم، وأقرباءكم يرحمكم الله.
