في لحظة فارقة بمُنعرجها بين الفن والسّياسة، نجحت الكاتبة والمخرجة اللبنانيّة ماري روز أسطا في جعل اسمها يتصدّر المشهد الثقافي العالمي والعربي معًا، بعد فوزها بـ "جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم قصير" في الدورة السّادسة والسّبعين من "مهرجان برلين السّينمائي الدولي"، عن فيلمها "يومًا ما وَلَد" (Someday, a child). لم يكن هذا الانتصار مجرّد تتويج فني تقليدي، بل تصريحًا قويًا وفعلًا اجتماعيًا في توقيتٍ حسّاس، يقف فيه الجمهور العربيّ أمام موسم درامي رمضاني كثيف. موسم يُهيمِن على العقول والمتابعات بفعل "الترند" والتغطيات الإعلامية الغزيرة.
فوز كالمعجزة في الفيلم
الفيلم الذي وقعَته كتابةً وإخراجًا ماري روز أسطا، لا يُقدّم حكاية صبيّ يمتلك موهبة خارقة فحسب، بل يبني على هذه الفرضيّة طبقة تأويليّة كثيفة، تجعل من قدرته مرآة لطفولة تُدفَع إلى التواري، ولمُجتمع يرتاب من كل ما لا ينضبط تحت سقف المألوف. ليست المسألة هنا في ما يستطيع الطفل فعله، بل في ما يفرضه المحيط عليه كي لا يفعله.
في قرية لبنانيّة اعتادت هدير الطائرات الحربيّة كما لو كان جزءًا من طقسها اليومي، يعيش فتى في الحادية عشرة مع عمّه، في مناخ مُشبع بالخوف المُطبَّع. هناك، وسط هذا الاعتياد القسري على التهديد، يكتشف الصبيّ طاقة غامضة تتفلّت من تعريف واضح، قدرة لا يعرف مداها بقدر ما يشعر بثقلها. العمّ، بوصفه وصيًّا وحارسًا في آن، يسعى إلى تسوية الحواف، إلى صقل الاختلاف حتى يذوب في كتلة الانتظام الحياتي. إنه نموذج لوعيٍ يعتقد بأن النجاة تكمن في الاختباء، وأن السّلامة تُشترى بإنكار الفرادة. غير أن الطّاقة المكبوتة لا تنطفئ، هي فقط تنتظر لحظة انكشافها. وعندما يقود اختبار طفوليّ عابر إلى سقوط طائرتَين حربيَّتَين، ينقلب الخيال من ملاذ سرّي إلى قوّة عارية، ويغدو السرّ عبئًا أخلاقيًّا ووجوديًّا معًا.
لكن عمق الفيلم لا يستقرّ في مفارقته الفانتازيّة، بل في هندسته البصريّة التي تحوّل المكان إلى شريكٍ سردي. البيت ليس خلفيّة محايدة، بل كيان نابض بالذاكرة. بناء إسمنتي غير مكتمِل يستند إلى بيت حجريّ قديم، سلالم تصعد إلى لا مكان، غرف مفتوحة على الرّيح والنباتات، فراغات تتجاور فيها الأزمنة. هذا الفضاء، المُستلهَم من منزل أجداد المخرجة في شمال لبنان (تحديدًا في منطقة القبيّات - عكّار)، يتشكّل كمتاهة رمزيّة، تتقاطع فيها طبقات الماضي والحاضر، ويُصبح المعمار استعارة عن هويّة مُعلَّقة بين ما كان وما يُراد له أن يكون. بهذا المعنى، تقترح أسطا فيلمًا عن الخوف من الاختلاف، بقدر ما هو عن قوّته الكامنة، وعن الطفولة حين تُحاصَر لا بوصفها مرحلة عمريّة، بل باعتبارها طاقة تغيير لا يُمكن تطويعها إلى ما لا نهاية.
دبّ برلين يزأر لبنانيًّا
ما يجعل فوز أسطا أقوى وأكثر تأثيرًا، هو سياقه السّياسي والاجتماعي في دَورة هذا العام من "مهرجان برلين" التي اتسمت بنقاشات حادّة حول التعبير السّياسي في السّينما، خصوصًا في ظل استمرار الحرب في غزة وتصاعد الجدل حول دور الفنانين في التعبير عن المأساة الإنسانيّة. على المنصّة، لم تكتفِ أسطا بتلقي الجائزة، بل استخدمت كلماتها لتسليط الضوء على واقع الأطفال في لبنان وغزة، قائلةً إن الأطفال هناك "لا يمتلكون قوى خارقة لحمايتهم من القصف"، مُشدّدةً على أن "حياة الأطفال ليست قابلة للتفاوض". هذا الخطاب لم يأتِ بمعزلٍ عن التوترات التي هيمنت على المهرجان، فقد أثارت تصريحات رئيس لجنة التحكيم المُخرج الألماني Wim Wenders، حول بقاء الفنانين خارج السّياسة جدلًا واسعًا، ما دفع بنحو أكثر من 80 شخصيّة سينمائيّة، إلى توقيع رسالة مفتوحة تُطالب المهرجان باتخاذ موقف أوضح إزاء القضيّة الفلسطينيّة.
يبقى أن هذا الفوز، لا يقاس بالجائزة الذهبيّة فحسب، بل بمدى تأثيره في إعادة توجيه الأنظار نحو السّينما، هنا تحديدًا الفيلم القصير، كأداة فنيّة قادرة على إثارة الحوار وتحدّي التوقعات!
حوار مع الفائزة
وفي حوارٍ سينمائيّ شيّق مع "نداء الوطن"، ناقشنا الكاتبة والمخرجة ماري روز أسطا حول تجربتها الخاصّة التي ألهمت قصَّة فيلمها وعن التحدّيات القائمة في صناعة الأفلام. استعدنا بدايةً مع أسطا، مقولة الكاتبة اللبنانيّة - الأميركيّة إيتيل عدنان: "لا يوجد ملايين الوفيّات، بل يحدث ملايين المرّات أن يموت شخص ما"، لتؤكد لنا المخرجة أن المأساة لا تُقاس بالأرقام بل بكلّ خسارة فردية، مشيرةً إلى أنها ذكرت خلال تسلّم جائزتها في "برلين" الأطفال الأبرياء الذين سقطوا في الاعتداءات الأخيرة، لأنّ كل حياة تُفقد هي عالمٌ كامل بحد ذاته. وقالت إنها في فيلمها تعود إلى الطفل بوصفه طاقة براءة وخيال تمنحها شخصيًّا قوّة لاستعادة الثقة بالحياة والإنسان، كاشفةً أنها تعمل على مشروع سينمائي عن مرحلة التسعينات إبّان الوجود السوري في لبنان، انطلاقًا من ذاكرتها الخاصّة لا من منطق اختيار عدوّ. أما الفوز في "برلين" فلا ترى فيه ما يُبدّل جرأتها، إذ تؤكّد أن دافعها لطرح الأسئلة الصّعبة نابع من حاجة داخليّة إلى التعبير، لا من أي اعتراف خارجي.
وتؤكد أسطا أن اختيار ممثلين غير محترفين كان التحدّي الأصعب في التحضير للفيلم. بحثت في مدارس عكّار عن طفل يجسّد صبيًّا هادئًا وواعيًا يحمل عمقًا داخليًا ونضجًا مبكّرًا، وحين التقت بـ "خالد حسن" أدركت أنه الخيار الأنسب رغم تردّده الأوّل. وقد أدرجت أغنيته المفضلة في بداية الفيلم، واستعانت بابن خالته، وبصبي يعزف الطبلة (مارفن الأشقر)، لتعزيز العفويّة والصدق أمام الكاميرا. أمّا دور العم، الذي أدّاه الطبيب أنطوان ضاهر، فاختير لشخصيّته الإنسانيّة القادرة على الجمع بين القسوة والحنان. وأشارت أسطا إلى أن حضور ضاهر الصّارم وحساسيّته في التعامل مع مرضاه، انعكسا في تفاصيل الشخصيّة، بعدما عُدّلت نبرة صوته لتناسب الدور. وتوضح أسطا أن معيارها لم يكن الكيمياء بين الممثلين، بل قدرتهم على تجسيد الشخصيّات بواقعية كما تخيَّلَتها، معبّرةً عن فخرها الكبير ومعتبرةً أنها محظوظة في التعاون معهم.
قبل لحظة "الانتصار" في برلين، كانت رحلة ماري روز أسطا طويلة ومُثقلة بالعوائق. تصف نفسها بأنها كانت بطيئة نسبيًا في إنجاز أفلامها كمخرجة مستقلّة، إذ لم تكن مُجهّزة بعد التخرّج لمواجهة عالم التمويل وبناء الشبكات، رغم امتلاكها الأدوات التقنيّة والإبداعيّة. كغيرها، اتجهت إلى تصوير الإعلانات، لكنها عادت دومًا إلى السّينما عبر أفلام قصيرة، رغم غياب الدّعم. خلال فترة جائحة كورونا أنجزت "ثمّ يأتي الظلام" بميزانيةٍ متواضعة، وحصلت لاحقًا على دعم من "آفاق"، غير أن الأزمات أخرت المشروع سنوات. أسّست شركتها الخاصة لتأمين التمويل، لكنها تؤكّد أن التحدّي الأكبر هو إقناع الجهات الداعمة بالرؤية الفنيّة. رحلتها كانت قاسية، لكنها ترفض عقلية الضحيّة... فإما الاستعداد للتضحية، أو عدم دخول هذا المجال من الأساس!
وتلفت المخرجة ماري روز أسطا في حديثها معنا إلى أن فوزها بـ "الدب الذهبي" في "مهرجان برلين السّينمائي الدولي" دفعها إلى مساءلة نفسها بشأن خطوة الترشح إلى "جوائز الأوسكار"، متسائلةً عمّا إذا كانت ترغب فعلًا في خوض هذا المسار بكل رمزيّته وبريقه، وهي لا تزال في بداية رحلتها الفنيّة. وتؤكد أنها في هذه المرحلة، غير مستعدّة بعد لاتخاذ قرار تقديم الفيلم إلى "الأوسكار"، مُفضلةً أن يبقى تركيزها منصبًّا على صدق مشروعها الفني ورؤيتها الخاصّة. إضافةً الى أن تجربة "مهرجان برلين" منحتها إحساسًا أعمق بالتقدير السّينمائي، خصوصًا للأفلام الصّعبة، مُثنيةً على دعم فريق المهرجان (الذي يتضمَّن لبنانيّين أيضًا) وتشجيعهم لها على التعبير بحريّة. وتشير أسطا في هذا الإطار إلى التحدّيات والضغوط التي يواجهها المهرجان، لافتةً إلى أن الجدل الذي رافق كلمتها بعد تسلُّم الجائزة بلغ حدّ انسحاب وزير ألماني من الحفل، فيما اعتبر عُمدة برلين المُحافظ أن المناسبة "أسيء استخدامها للتدمير السّياسي".
