العميد المتقاعد جوني خلف

ما بعد "اليونيفيل": الجنوب بين الانسحاب الأممي والتحوّل الأوروبي الأميركي

6 دقائق للقراءة
"اليونيفيل" تحوّلت إلى ما يشبه الضمانة النفسية والسياسية للجنوبيين

منذ أكثر من أربعة عقود، تأسّست قوّة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل)، عام 1978، للإشراف على انسحاب القوات الإسرائيلية بعد غزوها جنوب لبنان، وهي واحدة من أكثر المهمات الدولية استمرارية في العالم. وتجدّدت مهامها بعد حرب تموز 2006 بموجب القرار 1701 الذي حدّد إطارًا لوقف الأعمال العدائية بين إسرائيل ولبنان. لكن اليوم، ومع تثبيت مجلس الأمن نهاية عام 2026 موعدًا لانتهاء ولايتها، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة جديدة تطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة، وحول الجهة التي ستتولّى مهام الرقابة بعد رحيل "القبّعات الزرق".

منذ انطلاق مهمتها، لم تكن "اليونيفيل" مجرّد قوّة مراقبة على الأرض، بل تحوّلت إلى ما يشبه الضمانة النفسية والسياسية للبنانيين الجنوبيين وللمجتمع الدولي في آنٍ واحد. غير أن هذه القوّة، رغم حجمها وعديدها الذي تجاوز العشرة آلاف جندي في مراحل معيّنة، بقيت محكومة بقيود ميدانية وسياسية جعلت حضورها أقرب إلى "الرمزية" منه إلى القدرة الفعلية على ضبط الخروقات أو فرض الاستقرار. فهي لم تُمنح يومًا صلاحيات قتالية، بل كانت تعمل تحت سقف التنسيق الدائم مع الجيش اللبناني من جهة، ومع قوات الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، في منطقة تتجاوز فيها التعقيدات الأمنية أيّ تفويض أممي.

التمديد الأخير حتى نهاية عام 2026 لا يمكن قراءته كإجراء إداري روتيني، بل كإشارة إلى نهاية حقبة كاملة من الرقابة الأممية التقليدية. فالمجتمع الدولي يبدو اليوم متجهًا نحو إعادة صياغة مفهوم "حفظ السلام"، بحيث يتحوّل من الانتشار الميداني المباشر إلى نماذج تعتمد التكنولوجيا والمعلومات والقدرات المحلّية، أكثر من الاعتماد على الجنود الدوليين المنتشرين على الأرض. هذا التوجّه بدأ يتبلور في عدد من المهمات الأممية في أفريقيا وأوروبا الشرقية، وقد يُطبّق قريبًا في لبنان.

تحديث أواخر 2025. جاء قرار مجلس الأمن الأخير بتجديد ولاية "اليونيفيل" حتى 31 كانون الأول 2026، مع توجيه واضح لبدء "سحب منظم" لمهام القوة بعد ذلك التاريخ. الهدف المعلن هو تمكين الدولة اللبنانية من أن تكون المزوّد الوحيد للأمن في الجنوب، بمرافقة دعم دولي لتقوية الجيش والمؤسسات الأمنية. هذا الترتيب يُعيد تسليط الضوء عمليًا على خيار "الانتقال الرقمي" للرقابة، من خلال تمويل لوجستي وتقني للجيش اللبناني، واستخدام مكثف للطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية وأنظمة الرصد الإلكترونية بدلًا من الانتشار الكثيف لـ "القبّعات الزرق".

في المقابل، تكرّرت خلال عام 2025 حوادث استهدفت مواقع ودوريات تابعة لـ "اليونيفيل"، ما يؤكد هشاشة الوضع الميداني ويزيد المخاطر المرتبطة بأي انسحاب غير منسّق. وقد دانت الأمم المتحدة وفرنسا هذه الهجمات، في وقتٍ تحاول باريس وهي المساهم الأكبر في القوة إعادة صياغة آلية تعاون جديدة مع الجيش اللبناني تعتمد على الرقابة الجوية والتكنولوجية، بدل الانتشار العسكري الكثيف.

إيطاليا وألمانيا من جهتهما، تعملان على مشاريع دعم في مجال المراقبة الإلكترونية والاتصالات، كبديل عملي عن الدور الميداني الكلاسيكي الذي لم يعد يتناسب مع الواقع الجديد. أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى مستقبل الجنوب من زاوية مختلفة لا تسعى إلى وجود عسكري مباشر، لكنها تريد ضمان استمرار التنسيق الأمني بين الجيش اللبناني وإسرائيل، بحيث يبقى الجنوب منطقة "مضبوطة" تحت إشراف غير معلن، مع إبقاء الدعم المالي والتسليحي للمؤسسة العسكرية اللبنانية كوسيلة نفوذ دائمة. بكلمات أخرى، قد تتراجع "القبّعات الزرق" عن الميدان، لكن العين الأميركية والأوروبية ستبقى حاضرة، ترصد وتتابع وتوجّه.

وسط هذا التحوّل الدولي، يبرز التحدّي الأكبر:

هل لبنان جاهز فعلًا لتسلّم المسؤولية الكاملة عن أمن الجنوب بعد رحيل "اليونيفي"؟

الجواب معقد، لأن المسألة ليست تقنية فقط، بل سياسية بامتياز. فالجيش اللبناني، رغم قدرته وانضباطه، يواجه صعوبات بنيوية تتعلّق بضعف التمويل وبالقيود السياسية المفروضة عليه في مناطق تُعتبر حسّاسة من الناحية الميدانية، رغم الجهود الدولية والعربية الرامية إلى دعمه، وآخرها المؤتمر المزمع عقده في باريس في 5 آذار، والذي يهدف إلى توفير دعم مالي ولوجستي للجيش اللبناني وتعزيز قدرته العملياتية. كما أن الواقع الداخلي المنقسم يجعل من أي تحرّك عسكري في الجنوب خاضعًا لتأويلات سياسية وطائفية، وهو ما يحدّ من حرية القرار الوطني في الملفات الأمنية الكبرى.

أمّا على المستوى الميداني، فإن الفراغ الذي قد تتركه القوات الدولية، إذا لم يُملأ بسرعة، فقد يتحوّل إلى مساحة مفتوحة أمام قوى الأمر الواقع. فالحدود الجنوبية ليست فقط خط تماس عسكريًا، بل هي أيضًا معبر لرسائل إقليمية وصراعات نفوذ تمتدّ من طهران إلى واشنطن مرورًا بتل أبيب. وأيّ خلل في التوازن قد يُستغلّ داخليًا وخارجيًا لإعادة خلط الأوراق، سواء عبر تصعيد ميداني محدود أو عبر تحريك ملفات سياسية داخل لبنان.

الجنوب اليوم أمام لحظة مفصلية: فإمّا أن يتحوّل الانسحاب الأممي إلى فرصة لتعزيز الدولة واستعادة الثقة بقدرتها على إدارة حدودها، وإما أن يتحوّل إلى فراغ يُملأ بتجاذبات القوى الإقليمية. التجارب الدولية تؤكد المخاطر والتحوّلات المحتملة لانسحاب القوات الدولية من مناطق نزاع طويلة الأمد الذي غالبًا ما يترك فراغًا أمنيًا وسياسيًا. ففي جنوب لبنان، سبق أن أدّى انسحاب القوات الإسرائيلية عام 2000، إلى إعادة رسم خريطة النفوذ المحلية، وفي أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تركت الانسحابات فراغًا استغله بعض اللاعبين الإقليميين قبل أن تستعيد الدول سيادتها. هذه الأمثلة تؤكد أن أي انسحاب لـ "اليونيفيل" يتطلب قدرة الدولة اللبنانية على ملء الفراغ سريعًا لضمان عدم استغلاله سياسيًا أو أمنيًا، خصوصًا في ظلّ وجود قوى مسلّحة غير خاضعة كليًا لقرار الدولة، ما يجعل مسألة حصرية السلاح شرطًا مسبقًا لأي انتقال آمن لما بعد "اليونيفيل".

إن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي في الجنوب، عبر التنمية وفرص العمل والتعليم، لا يقلّ أهمية عن أي اتفاق أمني أو مراقبة إلكترونية. فالاستقرار لا يُشترى بالموازنات الأممية، بل يُبنى بإيمان المواطن بدولته وبقدرتها على حمايته.

في النهاية، لن يكون ما بعد "اليونيفيل" كما قبلها. القرار الدولي الأخير يقرّ بسحب منظم يبدأ في 31 كانون الأول 2026، ويضع لبنان أمام اختبار مزدوج: كيف تملأ الدولة فراغ الحضور الميداني؟ وكيف تتعامل مع نموذج رقابة يركّز على التكنولوجيا والدعم الخارجي بدل التواجد البشري؟

"القبّعات الزرق" قد تغادر، لكن العين الدولية ستبقى عبر الأقمار والطائرات وأنظمة الاتصال ما دام المشهد الإقليمي مشوّهًا بالتوتر. وإذا لم يُرافق التحوّل بتسليح فعلي وتمويل اقتصادي حقيقي، فقد لا يكون من يملأ الفراغ "دولة"، بل نفوذًا خارجيًا جديدًا أو تصعيدًا ميدانيًا.

السؤال الحقيقي الذي سيواجه لبنان في عام 2027 لن يكون من سيحرس حدوده، بل من سيحرس قراره الوطني. فالوطن الذي لا يمتلك زمام قراره الأمني، سيبقى محاطًا بالقوى، ولو رفعت عنه الأعلام الزرقاء.

من يكتفِ بالمراقبة يفقد القرار، ومن يتأخر عن القرار يفقد الوطن.