ايلي الياس

مرسوم التجنيس 1994: حين تحوّلت الجنسية إلى سلاح سياسي

4 دقائق للقراءة

في لبنان، ليست الديموغرافيا تفصيلًا إحصائيًا، بل ركيزة في بنية النظام. حين أُقرت وثيقة الوفاق الوطني عام 1989، وأُدخلت تعديلات على ثلثي مواد الدستور، رُفعت العبارة الشهيرة: "أوقفنا العدّ". كان المقصود واضحًا: إنهاء سباق الأرقام الطائفية، وتثبيت توازن سياسي لا يُقاس بالعدد بل بالشراكة.

غير أن ما جرى عام 1994 أعاد فتح العدّ من بوابة الجنسية.

مرسوم التجنيس رقم 5247، الصادر في 20 حزيران 1994، منح الجنسية اللبنانية لعشرات آلاف الأشخاص دفعة واحدة، في ظل احتلال سوري مباشر وهيمنة سياسية داخلية واضحة. التقديرات المتداولة تتحدث عن مئات آلاف المستفيدين مع احتساب العائلات والمواليد، ونسبة كبيرة منهم من المسلمين مقارنة بالمسيحيين. الأخطر أن التجنيس تم في عدد واسع من الحالات عبر "إخراج قيد عائلي" شامل، لا بقرارات فردية دقيقة، ما أعطى العملية طابعًا جماعيًا غير مسبوق في تاريخ مراسيم التجنيس اللبنانية.

لم يمرّ المرسوم من دون اعتراض. قُدّمت طعون أمام مجلس شورى الدولة بعد صدوره مباشرة، وطالبت بإبطاله لمخالفته مبدأ المشروعية ولانعدام المعايير الواضحة في اختيار الأسماء. في 5 تشرين الأول 1994 أصدر مجلس الشورى قرارًا بوقف تنفيذ المرسوم جزئيًا في ما يتعلق بعدد من الأسماء المطعون بها، معتبرًا أن الطاعنين أثاروا أسبابًا جدية تستوجب التحقق. لكن السلطة التنفيذية عادت وأصدرت مراسيم جديدة لتثبيت جزء كبير من الأسماء، متجاوزة عمليًا مفاعيل القرار القضائي. وفي عام 1996 صدر قرار نهائي عن مجلس الشورى ردّ الطعون شكلًا أو أساسًا في معظمها، ما أدى إلى تثبيت المرسوم وطيّ الصفحة قضائيًا، فيما بقي الجدل السياسي مفتوحًا. وكل ذلك تحت أعين سلطات الاحتلال.

من زاوية أخرى، من زاوية المستحقين فعلًا الجنسية، فالدولة التي تحرّكت بسرعة استثنائية في 1994، تُبقي حتى اليوم ما لا يزيد عن سبعين ألف طلب قديم للحصول على الجنسية، تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي، من دون حسم. طلبات موثقة لأشخاص ذوي أصول لبنانية واضحة أو صلات ثابتة بالبلد، بقيت معلّقة لعقود. هنا يظهر الخلل السياسي بوضوح: تجنيس جماعي حين يخدم ميزان القوى، وتجميد ممنهج حين لا يخدمه.

في نظام يقوم على المناصفة البرلمانية وعلى توازن دقيق في الإدارة، أي تغيير عددي واسع ينعكس فورًا على التمثيل والقرار. لذلك لم يكن مرسوم 1994 خطوة تقنية، بل محطة سياسية أعادت إدخال عنصر العدد في المعادلة بعد أن قيل إن العدّ قد توقف. ومن هنا أيضًا برز توصيف "الجنسية الهشّة" في النقاش الحقوقي، لأن منح الجنسية بلا معايير شفافة وواضحة يُفقدها معناها السيادي ويحوّلها إلى أداة ظرفية.

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لا يمكن الاستمرار في التعامل مع الملف كأنه من المحرمات. إعادة فتحه لا تعني استهداف أفراد حصلوا على الجنسية بحسن نية، بل تعني تقييم قرار سيادي اتُّخذ في ظروف استثنائية وتحت ميزان قوى غير متكافئ. كما أن أي حديث عن الأعداد والتوازنات يبقى ناقصًا إذا لم يشمل المغتربين اللبنانيين ومنحهم كامل حقوقهم السياسية وإدخالهم في أي إحصاء رسمي.

لبنان لا يُدار بالأرقام المجتزأة، ولا تُحمى صيغته بقرارات فوقية تُتخذ في الظل. إذا كان الطائف قد أعلن بوضوح "أوقفنا العدّ"، فإن احترام هذه العبارة لا يكون بالشعارات، بل بالفعل: بإخضاع مرسوم 1994 لمراجعة قانونية جدية، وبحسم عشرات آلاف طلبات الجنسية المجمّدة منذ عقود، وبإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة كحق سيادي يخضع لمعايير واضحة، لا كأداة سياسية ظرفية.

استعادة الثقة تمرّ حصرًا عبر الدقة القانونية والشفافية السياسية. أما إبقاء الملف معلّقًا بين الصمت الرسمي والمساومات، فليس إلا استمرارًا لخلل تأسّس في التسعينات، في ظل الاحتلال السوري والنظام الأمني المشترك. هذا الخلل لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل ترك منفذًا دائمًا يُستعمل عند الحاجة للتأثير في القرار الوطني، عبر البوابة الأم: مجلس النواب. حين تُستخدم الأرقام لتعديل موازين التمثيل، يصبح المساس بالدستور مسألة وقت. لذلك، إغلاق هذا المنفذ ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة سيادية.