أنطونيوس نادر

وصفة برّي السحرية: البنزين "حرام" عالحزب.. و"حلال" عجيوبنا!

3 دقائق للقراءة

إن الجريمة الكبرى التي تُرتكب بحق اللبنانيين في الضريبة الجديدة على البنزين ليست وليدة الصدفة أو مجرد نتيجة تقنية للانهيار المالي، بل هي امتداد عضوي لنهج "البلطجة المقوننة" الذي أسّسه نظام الترويكا تحت وصاية المخابرات السورية في تسعينات القرن الماضي؛ إذ يكشف أرشيف جريدة "السفير" في عددها الصادر بتاريخ 23 آذار 1999 (العدد 8255) عن "الخديعة الصفر" التي هندسها نبيه بري وفريقه السياسي بالتكافل مع أقطاب النظام آنذاك إميل لحود وسليم الحص وما تلاهما من عهود المحاصصة وبيع الأوهام.

في ذلك التاريخ، ارتدى بري عباءة القداسة والحرص الشعبي برفضه القاطع لأي زيادة على سعر صفيحة البنزين، واصفًا إياها بـ "آخر دواء الكَيّ" الذي يضرب الفقراء في عهدهم الجديد، بينما كان يمرّر صفقته التاريخية لمساواة مقاتلي "حزب الله" وجرحى المقاومة بعناصر الجيش اللبناني، منتزعًا "سلفة" فورية بقيمة 5,382,000,000 ليرة لبنانية، أي ما يعادل (3,570,149 دولارًا أميركيًا) بسعر صرف تلك الأيام، من احتياطي البرلمان لصالح مجلس الجنوب.

كانت تلك الرشوة الشعبوية تهدف بوضوح إلى شراء "ولاء مجاني" للقاعدة الحزبية، بحيث تُغدق عليهم أموال الدولة "ببلاش" من الخزينة المركزية دون إثارة حفيظة البيئة بضرائب مباشرة كالبنزين قد تؤدي لتململهم أو تضعف هيبة الترويكا الحاكمة. لقد كان بري يدرك تمامًا أن تثبيت أقدام "الحزب" داخل مفاصل الموازنة يحتاج إلى "تخدير" الجمهور بسعر بنزين رخيص، بينما تُسرق الملايين من تحت الطاولة لتمويل بنية عسكرية موازية لا تعترف بالدولة إلا كصراف آلي. وكعادته، رمى "صمّام الأمان" الكرة في ملعب وزير الاتصالات عصام نعمان بمطالبته بـ "نعيم الخليوي"، ثم غمز من قناة وزير الأشغال الملياردير نجيب ميقاتي - الذي كان حينها المسؤول المباشر عن ملف الأملاك البحرية المنهوبة - بمطالبتهما بجباية تلك الحقوق لسد العجز.

وبالطبع، لم تكن هذه المطالبات إصلاحية، إنما "قنابل دخانية" لإشغال الرأي العام؛ فبرّي يحمي "بيئة المقاومة" من ضريبة البنزين كي لا يمتعضوا من تكلفة حروب "الحزب"، وفي المقابل يترك للحريرية السياسية ونجيب ميقاتي حرية حشو الإدارات العامة بآلاف الموظفين كـ "تنفيعات" زبائنية لضمان الولاء. هذه العلاقة التبادلية بين "سلاح الحزب" و"فساد المحاصصة" هي التي أسست لـ "قطاع عام متفجّر".

واليوم في 2026، سقط القناع عن ذلك "الورع" الكاذب، وبات برّي ووزير ماله ياسين جابر هما رأس الحربة في فرض ضريبة البنزين التي تنهب ما تبقى من عرق اللبنانيين، لا لشيء إلا لأن "بقرة" الدولة جفت تمامًا ولم يعد هناك "نعيم خليوي" يغطّي العجز، فأصبح "البنزين" هو المورد الوحيد والضروري لتمويل القطاع العام وإبقاء مجلس الجنوب الذي لم يتوقف يومًا عن كونه قناة رسمية لتمويل الدويلة.

نحن اليوم ندفع ثمن تلك العلاقات المشبوهة حيث يُجبر المواطن في عكّار وبيروت والمتن وزحلة وجبيل على دفع "خوّة" وقود سيارته لتمويل معاشات "قطاع التنفيعات المُتخَم"ـ مضافًا إليه تمويل جرحى عمليات "انفجار البيجر" وعوائل شهداء "حزب الله"، الذين أُقحموا في ميزانية الدولة بوصفهم عسكريّين بفضل ذلك التشريع المسموم.

الحلّ لم يعد يحتمل المماطلة "فدرالية مالية وإدارية موسّعة" تقطع الحبل السري عن هذه العصابة التي تتلاعب بالتاريخ والواقع، وتحوّل صفيحة البنزين من مادة حيوية إلى "صك عبودية" يدفعه المواطن صاغرًا لتمويل إرهاب المنظومة وتنفيعات أزلامها الذين لا يشبعون!