ميشال الدكاش

المحافظة ١٥: حين يكتب الفنّ ما حاول الاحتلال طمسه

5 دقائق للقراءة

أخطر ما يقوم به المحتل أنّه لا يكتفي بالاستيلاء على الأرض، بل يسعى إلى احتلال الوعي. فالسيطرة على الجغرافيا عابرة، أمّا اختراق الذاكرة فمشروع طويل يطمس الهوية ويعيد تشكيل الإنسان من الداخل. هنا، تصبح الكتابة فعل مقاومة، وتغدو الذاكرة إعلان سيادة.

في هذا السياق، يأتي مسلسل "المحافظة ١٥" للكاتبة والممثلة اللبنانية كارين رزق الله عملاً يتجاوز حدود الدراما إلى مستوى الفعل الثقافي المقاوم والحافظ للذاكرة. فهو ليس استعادةً عاطفية لمرحلة تاريخية، بل مقاربة قيادية لقضية السيادة والحريّة، تجعل من الفنّ أداةً استراتيجية لتثبيت الوعي الجماعي وصون الحقيقة أمام التاريخ.

لبنان، الذي سعت الأيديولوجيا الطامعة لضمّه إلى "المحافظة الخامسة عشرة" الملحقة بالنظام السابق في سوريا، لم يكن مجرّد ميدان عسكري أو سياسي، بل ساحة صراع على السرديّة والهوية. فالمعركة لم تجرِ فقط على الجغرافيا، بل على معنى الكيان وحقّ شعب حرّ في أن يعرّف نفسه بنفسه، لا أن يُختزل بقرارٍ غريب عن حريته وتعدّديته.

من هنا تنكشف حقيقة "الرقابة" التي مُورست في زمن الاحتلال السوري. لم تكن مجرّد حذف مشهد أو منع مقال أو برنامجٍ، بل منظومة ضغط نفسي هدفت إلى ترهيب الكلمة وتدجينها، وإدخال الخوف في السلوك الفردي والجماعي. خُنقت الصحافة، ورُوقب المسرح، وخضعت النصوص للمقصّ السياسي، والتلفزيون برمّته كان تحت عين الرقيب. الأنظمة الشمولية تعرف أنّ الكلمة قادرة على إرباك سلطتها أكثر من أيّ سلاح، وأنّ الفنّ يخاطب الإنسان في عمقه ويدخل القلوب من دون استئذان فيعيد تشكيل الوعي من الداخل.

لقد حاول النظام آنذاك أن يعيد صياغة الهويّة اللبنانية، وأن يزرع فيها عقدة الاتكاليّة والخوف المستدام، ويحوّل المطالبة بالسيادة إلى تهمة. غير أنّ التجربة النضالية أثبتت أنّ الاحتلال، مهما طال، يبقى مرحلياً في حياة الشعوب الحرّة. قد يبدّل في أنماط السلوك ظاهرياً، لكنه يعجز عن اقتلاع جذور الانتماء إذا بقيت القيم حيّة في وجدان المناضلين.

وهنا يبرز دور القيادة الثقافية بصفتها امتدادًا للقيادة الوطنية. فالقائد ليس فقط من يقود شعبه في معركة عسكرية، بل من يحفظ معنى القيم في زمن الالتباس أمانةً للتاريخ. ومسلسل "المحافظة ١٥" يمارس هذا الدور، إذ يعيد سرد المرحلة بروح تثبيت الحقّ والحقيقة في الذاكرة، لا بروح انتقامية أو تصفية حساب.

إنّ قراءة التاريخ من خلال الفنّ تمنح الأجيال فرصة فهم النضال خارج لغة الشعارات. فالصورة الدرامية تختصر الألم، وتجعل الماضي تجربةً حيّة لا مادةً جامدة. وفي زمن تتكاثر فيه الروايات المضلِّلة، يصبح الفنّ خطّ الدفاع الأول عن الحقيقة. وكما قال الكاتب والناقد السياسي جورج أورويل: "من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي"، لذلك كان ومازال الصراع على كتابة التاريخ.

اليوم، وبعد تبدّل المعادلات الإقليمية وسقوط وهم "المحافظة الإضافية"، بقي لبنان دولة سيادية قائمة بذاتها رغم الجراح التي خلّفتها تلك المرحلة. والتحية واجب قيمي وأخلاقي لكلّ مناضلٍ صان حريته كأمانة في أحلك الظروف والأمانة هذه لا تُنقل بالصمود وحده، بل بالتربية والوعي والثقافة؛ فالإيمان النضالي يحرّر الأرض، أمّا الوعي الثقافي فيحصّن الذاكرة.

النضال في لبنان لم يكن فعلًا عابرًا، بل قرارًا وجوديًّا اتّخذه شعب حرّ أدرك أنّ الحرية، وهي أغلى من الروح، ليست منحةً تُعطى بل حقٌّ يُنتزع. واجه اللبنانيون الاحتلال بالكلمة حين خُنقت الصحافة، وبالتظاهر حين أُسكِتت الأصوات، وبالرياضة حين تحوّلت ملاعب كرة السلّة إلى مساحات لقاء بديلة في زمن مُنعت فيه التجمّعات، وصولاً إلى الاستشهاد حين صار ثمن الموقف حياةً كاملة. لم تكن البطولة حكرًا على جهة، بل حالة وطنية جامعة رفضت الخضوع والتبعية.

كما كان للأغاني الثورية، والمسرح الملتزم، والشعر المقاوم دورًا مفصليًّا في المواجهة حين تحوّلت المنابر إلى فضاءات تعبئة وجدانية تكسر جدار الخوف، وصارت الأغنية بيانًا شعبيًّا يواكب المناضلين ويرفع العزيمة، فيما حفظ الشعر كرامة الناس في وجه القمع، ليغدو الصوت سلاحًا من نوع آخر في معركة الحرية. فالدول تُبنى بالقيم قبل القوانين، وبالوعي قبل المؤسسات. وحين يكتب الفنّ التاريخ، لا يدوّن الوقائع فحسب، بل يزرع في الذاكرة بوصلةً أخلاقية تصنع قيادات تدرك أنّ السيادة ليست شعاراً، بل التزاماً استراتيجياً حقيقياً.

غير أنّ التحدّي اليوم لا يقلّ خطورة عن الأمس. فأخطر ما يهدّد الأوطان بعد زوال الاحتلال هو تآكل المعنى في وجدان أبنائها. جيلٌ يبحث عن خلاصه الفردي في الهجرة، ويكاد يفقد صلته وجذوره بقيمة الوطن، كأنّ الوطن لم يعد يستحقّ التضحية. هنا تتجلّى أهمية هذا العمل وأمثاله؛ فهو يعيد تعريف الحرية كمسؤولية، ويذكّر الشباب بأنّ الوطن ليس فندقاً نتركه كلما ساءت الخدمة، بل شعلة نضال وأمانة نتسلّمها لنسلّمها جيلاً بعد جيل.

شكر خاص للكاتبة الجريئة كارين رزق الله وجميع المؤتمنين على هذا العمل الثقافي الرائد الذي يُعيد كتابة جزء مهمّ من تاريخ السيادة بمداد الفنّ والوعي، ليُذكّرنا بمسؤوليّتنا تجاه الذاكرة الوطنيّة.