في زمنٍ تختلط فيه الوقائع بالتمنّيات، ويغلب فيه التحليل المُوجّه على القراءة الموضوعيّة، يخرج علينا بين الحين والآخر مَن يُحاول أن يُلبِس الحقائق أثواباً لا تُشبهها. هذا ما وقع فيه المقال المنشور للكاتبة "هتاف دهام" عبر موقع Lebanon24.com، والذي تضمّن اتهاماً صريحاً للقوات اللبنانية بالسعي إلى تأجيل الإنتخابات النيابية، في محاولة لإظهار الحزب بمظهر المُتناقض مع خطابه وممارسته السياسية.
إنّ هذا الإدعاء لا يستند إلى أي معطى واقعي. فـ"القوات اللبنانية" اليوم هي في المراحل شبه النهائيّة من تحديد أسماء مرشحيها المحتملين في مختلف الدوائر، وقد أنجزت شوطاً تنظيمياً متقدّماً على مستوى إعداد برامجها الإنتخابية وصوغ تحالفاتها. أما الماكينة الإنتخابية، فهي في حال استنفار كامل، تعمل وفق خطة مدروسة وجداول زمنية دقيقة، استعداداً لخوض الإستحقاق النيابي في موعده الدستوري، لا خارجه.
ويكفي التوقّف عند المُعطيات المتداولة في الأوساط السياسية والإعلامية، حيث تشير مختلف الإستطلاعات الجدّية، بما فيها تلك الصادرة عن جهات غير محسوبة على الحزب، إلى أن "القوات اللبنانية" تتجه إلى تحقيق تقدّم لافت في الانتخابات المقبلة، مع توقعات بزيادة عدد من النوّاب فوق كتلتها الحالية. فهل يُعقل أن يكون فريق سياسي تُجمع المؤشرات على أنه مُقبل على توسيع حضوره النيابي، هو نفسه مَن يسعى إلى تعطيل الإستحقاق أو تأجيله؟ إن المنطق السياسي البسيط يُجيب بالنفي القاطع.
مَن يعرف تاريخ "القوات اللبنانية" في التعاطي مع الإستحقاقات الدستورية، يُدرك أن هذا الحزب كان، ولا يزال، في طليعة الداعين إلى احترام المهل الدستورية وعدم التلاعب بها تحت أي ذريعة. وفي كل المحطات المفصلية، كان موقفه واضحاً وفقاً لقاعدة، الانتخابات تُجرى في موعدها، والرأي العام هو الحَكم، وصناديق الإقتراع هي الفيصل. هذا ليس شعاراً ظرفياً، بل نهجٌ ثابت لم يتبدّل بتبدّل الظروف السياسية.
إن محاولة الإيحاء بوجود نيّة مبيّتة للتأجيل تتناقض مع الوقائع التنظيمية والسياسية القائمة. فهل يُعقل أن يكون حزبٌ قد استكمل استعداداته اللوجستية والسياسية، وحشد طاقاته البشرية والمادية، وأطلق دينامية انتخابية واسعة، هو نفسه مَن يسعى إلى تعطيل الإستحقاق؟ أي منطقٍ يستقيم مع هذا الطرح؟
إن النقد السياسي حقّ مشروع، بل هو ضرورة في الحياة العامة. لكن ثمة فارقاً كبيراً بين النقد المُستنِد إلى معطيات موضوعيّة، وبين إطلاق الإتهامات جزافاً من دون أدلة أو قرائن. والخفّة في تناول المواقف السياسية، ولا سيما حين تطال حزباً له حضوره الشعبي وتمثيله النيابي الواضح، لا تخدم النقاش العام، بل تُسيء إلى كاتبه وتشوّه مسيرته المهنيّة.
إن احترام الرأي العام يبدأ باحترام الحقيقة. ومن هذا المنطلق، نؤكد أن "القوات اللبنانية" ماضية في استعدادها الكامل لخوض الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري، وأنها ستبقى الطرف الذي يدعو، قولاً وفعلاً، إلى انتظام الحياة الدستورية، بعيداً من حسابات التأجيل أو المناورات الظرفية.
فالإستحقاقات الدستورية ليست مادة للمزايدة، بل ركيزة من ركائز الدولة. ومَن أراد محاسبة "القوات اللبنانية"، فليحاسبها على مواقفها المُعلنة وسلوكها الفعلي، لا على فرضيّات وهميّة وفضائيّة تُبنى في المقالات وتُسوّق على أنها حقائق، فيما الحقيقة أنها من نسج الخيال والأوهام والأحلام... والسلام
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"