"ربيع" الجامعات الإيرانية يُعمّق الفجوة بين الشعب والنظام

7 دقائق للقراءة

استكمل الطلّاب الإيرانيون الأحرار احتجاجاتهم لليوم الرابع تواليًا أمس، رافضين الخضوع لجوّ الاضطهاد والترهيب والخوف الذي حاول النظام الثيوقراطي فرضه بقتله واعتقاله عشرات الآلاف من المتظاهرين الشهر الماضي. يحاول نظام الملالي اليوم استعادة سطوته من خلال "الباسيج" والقوات الأمنية والشبيحة المؤيّدين للنظام، فقد بدأ هؤلاء يكثفون أمس حملاتهم القمعية وتعدياتهم القذرة على طلّاب الجامعات السلميين المنتفضين، بالتوازي مع تصعيد مسؤولي النظام نبرة خطابهم تجاه التظاهرات الشبابية الجريئة التي تدق ناقوس الخطر بالنسبة إلى الملالي، بحيث حذرت الحكومة الإيرانية، الطلّاب، من تجاوز "الخطوط الحمر"، كما توعّد وزير العلوم حسين سيمائي صراف بعدم التهاون "بأي شكل من الأشكال مع الفوضى"، مدعيًا أنه "لا يقبل أي مواطن إيراني إهانة الرموز الوطنية مثل العلم"، بعدما أُحرقت أعلام النظام الإيراني خلال احتجاجات الطلّاب ورفع علم ما قبل الجمهورية الإسلامية. لكن مواقف طهران وإجراءاتها على الأرض، لن تستطيع الوقوف في وجه "ربيع" الجامعات الإيرانية الذي بات يُعمّق الفجوة بين "النظام القاتل" و"الشعب الثائر" الساعي إلى الحرّية.

وسط هذه الأجواء الثورية المستمرّة رغم بطش بلطجية النظام، وجّه ولي العهد الإيراني السابق المنفي رضا بهلوي، رسالة إلى الطلّاب الإيرانيين، طالبهم فيها بأن يبقوا متحدين ويثبتوا وألّا يسمحوا بصنع صورة زائفة عن عودة الأمور إلى طبيعتها، معتبرًا أنه "ما دام شعبنا يُقتل، وأخواتنا وإخوتنا يُحكم عليهم بالإعدام، وأمهاتنا وآباؤنا وأزواجنا وأطفالنا في حداد، ما دام هذا الليل المظلم لم ينتهِ، ولم تتحرّر إيران من قبضة هذا النظام المحتل، فلا شيء طبيعي، ونضالنا لن ينتهي". ورأى أن المستقبل لهؤلاء الطلّاب الذين اختاروا ألّا يلتزموا الصمت، مؤكدًا أنه "معًا، سنستعيد إيران ونعيد بناءها من جديد".

توازيًا، قضت محكمة ثورية إيرانية بإعدام محمد عباسي بتهمة "الحرابة"، في قرار سيكون إذا تأكد أوّل حكم من نوعه على صلة بالاحتجاجات الشعبية الأخيرة، حسبما أفاد مصدر مقرّب من عائلة الرجل لوكالة "رويترز"، موضحًا أن القضاء الإيراني لم يعلن الحكم الصادر بحق عباسي، وأن المحكمة العليا الإيرانية لم تصادق عليه حتى الآن. وتحدّث عن أن عباسي واجه اتهامات بقتل ضابط أمن، وهو اتهام نفته عائلته، مشيرًا إلى أن ابنة المتهم، فاطمة عباسي، حُكم عليها بالسجن 25 عامًا لمشاركتها في الاحتجاجات. وكشف أن المتهمين لم يتمكّنا من الاستعانة بالمحامي الذي يريدانه، بل تم تعيين محام عام لهما.

وكشفت منظمة "هيومن رايتس واتش" الحقوقية أن "أجهزة الاستخبارات وقوات الأمن الإيرانية نفذت اعتقالات واحتجازات جماعية وتعسفية وعنيفة بحق متظاهرين، بينهم أطفال، منذ 28 كانون الأول 2025"، مشيرة إلى أن "عشرات الآلاف قد اعتُقلوا في أنحاء البلاد، واستمرّت موجات الاعتقالات عقب المجازر التي شهدتها البلاد في 8 و9 كانون الثاني 2026". وذكرت أن السلطات "أخضعت المحتجزين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيّئة، ويواجه المعتقلون خطرًا جسيمًا يتمثل في الوفاة أثناء الاحتجاز، ومحاكمات بالغة الجور، وعمليات إعدام سرّية وموجزة وتعسفية، كما رفضت السلطات بشكل منهجي تقديم أي معلومات في شأن مصير المحتجزين وأماكن وجودهم، ما يرقى إلى إخفائهم قسرًا".

وفي ما يتعلّق بالمفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران، اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل إلقائه خطاب "حال الاتحاد" أمام الكونغرس، أن إيران تريد التوصل إلى اتفاق لتجنب ضربة عسكرية أميركية أكثر مِمّا يريد هو، لكنها حتى الآن لم تُبدِ استعدادًا للتصريح صراحة بأنها لن تبني أسلحة نووية. وحسم البيت الأبيض أن الخيار الأول لترامب في التعامل مع إيران هو دائمًا الدبلوماسية، لكنه على استعداد لاستخدام القوة الفتاكة للجيش الأميركي إذا لزم الأمر، جازمًا بأن "الرئيس هو دائمًا صاحب القرار النهائي"، فيما نشر حساب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية على "إكس"، رسالة إلى الإيرانيين باللغة الفارسية جاء فيها: "مرحبًا. وكالة الاستخبارات المركزية تسمع صوتكم وتريد مساعدتكم، في ما يلي الإرشادات اللازمة حول كيفية إقامة اتصال افتراضي آمن معنا"، وأرفق النصّ بفيديو تضمّن الإرشادات المذكورة. وشارك وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف في إحاطة لأعضاء الكونغرس بخصوص إيران.

في المقابل، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده ستستأنف المحادثات مع أميركا في جنيف "بعزم على تحقيق اتفاق عادل ومنصف، في أقصر وقت ممكن"، زاعمًا بأن طهران لن تطوّر "تحت أي ظرف من الظروف، سلاحًا نوويًا، كما لن نتخلّى نحن الإيرانيين أبدًا عن حقنا في تسخير ثمار التكنولوجيا النووية السلمية لمصلحة شعبنا". ورأى أنه "لدينا فرصة تاريخية لإبرام اتفاق غير مسبوق يعالج المخاوف المتبادلة ويحقق المصالح المشتركة"، معتبرًا أن "الاتفاق في متناول اليد، لكن فقط إذا أُعطيت الدبلوماسية الأولوية"، في حين حذر نائبه مجيد تخت روانجي من أنه "إذا وقع هجوم أو عدوان على إيران فسنردّ وفقًا لخططنا الدفاعية"، معتبرًا أن "أي هجوم أميركي على إيران يمثل مقامرة حقيقية". وأفادت شبكة "سي أن أن" أن الردّ الإيراني على أميركا المقرّر تقديمه إلى الوسطاء العُمانيين، من المتوقع أن يتمسّك بحق طهران في تخصيب اليورانيوم مع اقتراح فرض قيود على مستويات التخصيب، موضحة أن المقترح يُتوقع أن يكون ردًا منقحًا على المواقف الأميركية وليس خطة جديدة، وأن إيران ستتوقع تخفيف العقوبات في المقابل.

في الأثناء، زاد الجيش الأميركي بسرعة من وجوده بالقرب من إيران، حيث نقل أكثر من 150 طائرة إلى قواعد في أوروبا والشرق الأوسط منذ أن انتهت الجولة الثانية من المحادثات النووية في جنيف، حسب صحيفة "واشنطن بوست". وذكرت أن أكثر من نصف الطائرات الأميركية التي نُشرت حديثًا، هبطت في قواعد في أوروبا، حيث تستطيع واشنطن وضع العتاد أو الأفراد استراتيجيًا من دون أن تقدّم للإيرانيين "هدفًا مغريًا". وأفادت وكالة "بلومبرغ" بأن حلف "الناتو" حوّل تركيز عمليات المراقبة الجوية في تركيا من روسيا إلى إيران. وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية أنه جرى نقل 12 مقاتلة أميركية من طراز "أف 22" إلى إسرائيل.

وأكدت القيادة المركزية الأميركية أن خبرة ومهارة البحارة ومشاة البحرية على متن حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" تمكّنهما من الحفاظ على قوة جوية مستمرّة وتنفيذ أكثر من 100 طلعة جوّية يوميًا، وكانت حاملة الطائرات "جيرالد فورد" لا تزال في جزيرة كريت اليونانية أمس. وأعلن البنتاغون أن قوات عسكرية أميركية صادرت ناقلة النفط الخام "بيرثا" الخاضعة للعقوبات في المحيط الهندي بعد تعقبها من مياه البحر الكاريبي، متهمًا الناقلة بمحاولة تحدّي العقوبات المفروضة على إيران.

بالتزامن، أجرت القوات البرية التابعة لـ "الحرس الثوري" تدريبات عسكرية على الساحل الجنوبي للبلاد بهدف اختبار أحدث الأسلحة والأساليب التكتيكية، في إطار خطة أوسع لتعزيز "الجهوزية القتالية" وتطوير القدرات الدفاعية، وفق التلفزيون الإيراني. وأفادت "رويترز" بأن إيران تقترب من إبرام صفقة مع الصين لشراء صواريخ كروز من طراز "سي أم 302" مضادة للسفن، لكن لم يتم الاتفاق على موعد للتسليم. ويبلغ مدى الصواريخ الأسرع من الصوت حوالى 290 كيلومترًا وهي مصمّمة لتفادي الدفاعات المحمولة بحرًا من خلال الطيران بسرعة وعلى مستوى مخفوض.

وكشفت الوكالة أن المفاوضات مع الصين لشراء أنظمة الأسلحة الصاروخية تسارعت بشكل حاد بعد "حرب الـ 12 يومًا"، مشيرة إلى أن إيران تجري أيضًا محادثات لشراء أنظمة صواريخ سطح - جو صينية، وأسلحة مضادة للصواريخ الباليستية، وأسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية. ورأى أحد المسؤولين الذين أطلعتهم طهران على مفاوضات الصواريخ أن إيران أصبحت ساحة معركة بين أميركا من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، بينما نفت الخارجية الصينية علمها بالمحادثات التي نشرتها "رويترز" في شأن صفقة صواريخ محتملة.