المحامي محمد آصف ناصر

Pax Trumpiana: من السلم الأحفوري إلى سلم السليكون

8 دقائق للقراءة

استعمل مصطلح Pax Trumpiana لأول مرة في مقالة نشرها البروفسور Paul Krugman –الفائز بجائزة نوبل للعلوم الاقتصادية- في النيويورك تايمز The New York Times في 26 تموز 2016، قبيل انتخاب دونالد ترامب لأول مرة، وختمها كما يلي:

"لعل أميركا، كما يأمل المرء، ليست روما القديمة؛ فمنذ نشأتها، سعت إلى تبنّي قيم إنسانية شاملة، وحقبة "باكس أميركانا" Pax Americana، رغم أنها لم تكن مثالية أو خالية من الشوائب، تُعد من فترات الهيمنة الكبرى الحميدة في التاريخ. ومع ذلك، هناك بالفعل بعض التشابه بين الطريقة التي أدارت بها أميركا أجزاء واسعة من العالم وبين ما تعلمه الرومان في إدارة إمبراطوريتهم.

لكن ترامب لا يأبه لأي من ذلك، فهو يرغب، بكل وضوح، أن تتصرف أميركا كما فعلت روما في أسوأ أيامها، لتصبح قوة متغولة وجائرة كما كان الحال في عهد لوكولوس وسولا.

وجميع أولئك الجمهوريين المتطرفين في وطنيتهم يهللون له ويؤيدونه بلا تردد".

فيحلو لمن نشأت ثقافته ما بعد الثورة الصناعية وترعرع وعيه في ظلال حربين عالميتين ساخنتين وثالثة باردة ورابعة بالتجزئة، أن يتغنى بالقيم الأخلاقية والقانونية التي تأسست على Rerum Novarum، ومن بينها مبادئ القانون الدولي العام وعصبة الأمم وميثاق الأمم المتحدة.

نسي الباحثون ومن بينهم مطلق شعار Pax Trumpiana أن السياسة والمفاهيم الجيوسياسية تخضع لمعيار أساس هو البقاء، والبقاء يبنى على الاقتصاد، ومع توقيع معاهدة Pax Silica والسيطرة على مرفأ Diego Garcia عبر عقد إيجار يمتد إلى أكثر من 130 عاما ترتسم علامات الزمن القادم حيث تنبثق الأهمية من الهيمنة الاقتصادية إلى تأمين خطوط إمداد الاله الجديد الذي بشّر به أيلون ماسك. هذا الاله المصنوع من رمال الكوارتز التي تذخر بها البيداء السورية لا سيما في القريتين، وفي الرمال السورية يكمن الفوسفات الذي يشكل العنصر الأساس لبطاريات الليثيوم وتخزين الطاقة.

لم يكن التطور مفاجئا، ولم تسقط القيم التي يبكي عليها المفكرون دفعة واحدة، لكن زمن المزاح انقضى: فلم يعد بإمكان لبنان أن يصوت في الأمم المتحدة دعمًا للــــ Moratorium فيمنع حلول جمهورية الصين الشعبية محل الجمهورية الصينية في الأمم المتحدة كما فعل من العام 1951 إلى العام 1960.

الــــ Pax Americana التي نشأت في العام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية والنظام العالمي الجديد الذي ساد حتى العام 2008، مرّت بتحولات لم تكن عشوائية:

فمعركة ديان بان فو في العام 1954 مهَّدت لقيام الجمهورية الخامسة في فرنسا ودفعت ديغول لمعارضة النفوذ البريطاني والاميركي وتحدي شعار As Good As Gold فراح يرسل السفن ليستبدل الدولار الأميركي بالذهب، ومضى في تحديه الهيمنة الأميركية بشعار Vive Le Quebec Libre في 24 تموز 1967 من على شرفة مبنى البلدية في مونتريال. مشاكسات لم تنقض إلا على يد كوهين بنديت والفوضويين في العام 1968 حيث وقعت نهاية شارلمان القرن العشرين، ولم توقف مقاومة ديغول المخطط فإذا بالعام 1971 يشهد ثلاثة تحولات مفصلية:

1- 24/01/1971: تأسيس مؤتمر دافوس الاقتصادي.

2- 15/08/1971: "صدمة نيكسون" في الخروج من معاهدة بريتون وودز وتحرير الدولار من قاعدة الذهب.

3- 25/10/1971: القرار 2758 الذي أنهى استبعاد جمهورية الصين الشعبية من الأمم المتحدة وحلت محل تايوان، وبدأ من يومها الحضور الدولي للصين.

هذه الأحداث لم ينحصر أثرها بمرحلة صدورها، بل تعدى ذلك إلى إسقاطات مستقبلية نلمسها اليوم، فغني عن البيان دور الصين العالمي، أما خروج الدولار من قاعدة الذهب فمهّد للعملات الرقمية واقتصاد الرقمنة؛ أما دافوس فكان منصة إطلاق منظمة العالم الجديد: مجلس السلام، أو مجلس ترمب للسلام.

لا تتردد نخب الإدارة الأميركية في استعمال عبارات كــ"منظمة" للدلالة على مجلس السلام، ولا يتردد وزير الخارجية روبيو في الترويج لهذه الآلية لاعتبارها نموذجا قابلا للتكرار، وربما نموذجا قابلا للاستقرار، حتى أن أولى مسميات هذا المجلس كان "مجلس السلام الأزلي".

سبق إطلاق مجلس السلام الأزلي، إقرار اتفاقية Pax Silica في 11/12/2025 في معهد السلام الأميركي في واشنطن USIP، الذي نشأ من رحمه أيضا مجلس ترامب للسلام.

انضمت الهند إلى Pax Silica في 20/02/2026، لتكون مع الاستحواذ على مرفأ Diego Gracia في المحيط الهندي الحدود الجديدة ما بين Pax Silica و Pax Sinica، فالأخير مصطلح تاريخي يرمز إلى فترة حكم سلالة الهان في التاريخ الصيني والتي شهدت فترة استقرار امتدت لأربعمائة عام منذ العام 202 ق.م.

عرف العالم أول مرة مصطلح Pax Romana بعد أن استتب الأمر لأغسطس قيصر وأرسى الإمبرايالية الرومانية وأنهى بذلك حقبة من الحروب بدأت خارجية من الحروب البونية إلى الحرب الأهلية التي انتهت بالقضاء على مارك أنتوني والنظام الجمهوري الروماني. أما Pax Americana فجاء مع انتهاء حقبة الحروب الكبرى واستقرار النظام الاقتصادي العالمي بين قطبين سوفياتي ورأسمالي واستمرت حقبة الــ Pax Americana مع الأحادية القطبية التي انتهت مع إفلاس ال Lehman Brothers في العام 2008، واستمر العالم في تخبط وشماس حتى العام 2024 حين قضي على مشروع الحزام والطريق وحجزت الصين في مجالها الحيوي وتحولت روسيا من قوة عظمى إلى لاعب إقليمي ينفذ الاجندات الكبرى.

النظام العالمي الناشئ، يشبه النظام الذي أرساه أغسطس قيصر، فقيصر لم يقف عند حدود ترتيب النظام السياسي بل أقام منظومة اقتصادية عسكرية سياسية، وأسندها بعقيدة دينية قضت بتأليه الاباطرة. والنظام الذي ترسى دعائمه الآن هو نظام اقتصادي عسكري سياسي وترسى منظومته الدينية عبر طرح نظرية الديانة الابراهيمية لتكون مستندًا يحد من صراع العقائد.

أمام هذا التحول التاريخي المفترض أن يستقر ردحًا من الزمن ليس اقل من مدة عقد إيجار Diego Gracia، نقرأ في الصحف اللبنانية والثقافة الممانعة فصلا جديدا من فصول قصة Asterix، فترى Asterix الممانعة مسنودًا على اكسير Panoramix الفارسي يسعى إلى تدوير الزوايا والتملص من الالتزامات الدولية وتحدي السيادة اللبنانية، وفيما هو يستقوي على أبناء قريته تراه يستعمل Obelix الكراكيب الذي لا يشبه Obelix إلا بضخامة جثته، فيتوسل Obelix الكراكيب صورة من هنا وإفطارًا من هناك ليثبت للطيبين أنه ما زال قادرا على الفعل والتأثير، فبينما يَرُدُّ والهةً إليه تم توقيفها مع رضيعها أثناء فرارها من القتل والتنكيل والسبي في الساحل الشرقي للمتوسط بزعم أنه "ما بيطلع بإيده"، ينقض على صورة مع فتية خطفوا وحررتهم مخابرات الجيش اللبناني، ليقتنص جهد الآخرين وينسبه لنفسه فغفل عن الآية 188 من سورة آل عمران كما غفل عن الدور الهام الذي يمكن أن يؤديه في منظومة العالم الجديد وكيف يمكن أن يؤدي بما يُمَثل دور الصلة الواصلة بين العقائد المتباعدة حتى الهندوسية منها فقبول الآخر والانفتاح الفكري والخروج من التصنيم العقائدي هو مفتاح المرحلة المقبلة وهذا المفتاح يقبض عليه العلوي ويحافظ عليه رغم الخذلان والقتل والتنكيل والتجويع والسبي واجتثاث الرؤوس.

من خصائص النظام العالمي الناشئ يستخدم أنموذج ترمب في إدارة الأعمال، فترمب ليس القائد ولا المفكر وإنما هو الأنموذج The Model، فتؤسس العلاقات على النفعية وتحقيق العلة الغائية، فعبر دارسة تحليلية لتاريخ ترمب التجاري في إدارة أعماله تجده بلا وازع وتجاوز كافة المحرمات الثقافية الأميركية فهو لا يمانع في استخدام أي نموذج تجاري يفيد ربحيته فالـــTaboo غير قائم في عقيدته التجارية، كما أن خلفيته كمطور عقاري تتيح له تجاوز الجمود وتسييل العقار في ربحية دون تكبد أكلاف حقيقية، فثقافة المطور تفترض ألا يبني من ماله، ولا حتى يشتري الأرض، وإنما يبني من أموال عملائه ويسدد لمالك العقار من البناء فيحقق أرباحًا دون استخدام موارده. والثابت في نمطية ترمب "الاستخدام والترك" وهي نمطية من استثمر في مسابقات ملكات الجمال ومن خبر آليات الصلح الواقي من الإفلاس، ومن تمكن من التخلص مرات عديدة من أية أصول عالية المخاطر بعد أن أدت وظيفتها وهكذا يتعامل مع أقرب المقربين إلى أبعدهم فربما كانت صلاحية أحدهم أقل من مدة دوام زجاج عطر ترمب ولا يغني غداء مع فيتالي تشوركين ولا شراكة مع نافذ تركي عن مصير محتوم متى تحققت المصلحة من الترك.

هذه النمطية التجارية تشكل عنوان المرحلة السياسية المقبلة، واختيار ترمب ليكون عنوان الزمن القادم والسلام الترمبي يقف على أعمدة من النفعية والعلة الوظيفية لتأمين سلسلة التوريد للذكاء الاصطناعي والطاقة التي تحكم القرن أو القرنين المقبلين. هذه العقلية لم يفهمها العقائديون فكنت ترى الإيديولوجية القومية تمنح خطوط الفوسفات والسيلكون لبيعه موادا أولية رخيصة خدمة لأفكارها العقائدية وضمانا لولاء أتباعها فيما كانت الفرصة متاحة لانتهاج منهاج الإنتاج الحقيقي ودخول عالم الطاقة من بابه العريض.

الزمن الحالي هو زمن السلم الترمبي بمدلولاته الفكرية وليس الشخصانية، وهو زمن الانتقال من زمن الطاقة الاحفورية إلى قدرة الذكاء الاصطناعي فهو زمن الانتقال من النفط إلى السيليكون وبين النفط والسليكون سلام مفروض وبراغماتية قاهرة، وقطار يشق طريقه: Pax Fossilis ad Pacem Selicam.