الدكتور سايد حرقص

هل تُخفي المفاوضات ضربة مفاجئة؟

4 دقائق للقراءة

تسير المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ببطء ثقيل. التصريحات متحفّظة، الشروط تتزايد. لكن خلف هذا المشهد الدبلوماسي، تعبر حاملات الطائرات المحيطات، وتُرفع درجات الجهوزية في القواعد الأميركية، وتتكثّف الرسائل العسكرية غير المباشرة. المشهد لا يوحي بسلام قريب.

في جوهر العقيدة الاستراتيجية التي برزت بوضوح في عهد دونالد ترامب، لم تكن المفاوضات بديلاً عن القوة، بل غطاءً موازيًا لها. سياسة “الضغط الأقصى” لم تكن شعارًا اقتصاديًا فحسب، بل فلسفة تقوم على مبدأ بسيط: فاوض وأنت تمسك العصا فبدا الايراني كمن يفاوض النمر ورأسه في فمه. اليوم، التفاوض قائم، لكن تحت سقف تهديد عسكري حقيقي.

السيناريو الأكثر احتمالاً لا يتمثّل في حرب شاملة، بل في ضربة دقيقة وسريعة تُنفّذ فيما ينشغل العالم بأخبار الجولات التفاوضية. ضربة تستهدف منشآت نووية أو ركائز المشروع الصاروخي الباليستي الإيراني، وتُقدَّم باعتبارها إجراءً "وقائيًا" يهدف إلى إعادة ضبط التوازن ودفع المفاوضات إلى الأمام بالنار.

السؤال الذي يُطرح اليوم: لماذا قد تختار واشنطن هذا الخيار؟

أولاً: عامل الوقت النووي. تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير دورياً إلى مستويات تخصيب مرتفعة، ما يعزّز القناعة لدى بعض الدوائر الغربية بأن “النافذة الزمنية” أمام منع إيران من امتلاك قدرة عسكرية نووية تضيق تدريجياً.

ثانياً: الانتشار العسكري. بيانات وزارة الدفاع الأميركية حول إعادة التموضع البحري والجوي توحي بأن عناصر التنفيذ جاهزة متى اتُّخذ القرار السياسي. في الحسابات العسكرية، الجهوزية المسبقة ليست استعراضاً فقط، بل رسالة ردع واحتمال تنفيذ.

ثالثاً: الاستنزاف الإسرائيلي لـحزب الله في لبنان. تكثيف الضربات في العمق، ولا سيما في البقاع، يعكس قراءة إسرائيلية تعتبر أن أي مواجهة أوسع مع إيران قد تمرّ عبر الجبهة اللبنانية. تقليص القدرة الصاروخية والقيادية للحزب يعني تقليص هامش الرد غير المباشر.

في هذا السياق، قد تكون المفاوضات نفسها جزءاً من المعادلة العملياتية: خفض مستوى الاستنفار، إرباك الحسابات، ومنح عنصر المفاجأة أفضلية حاسمة. فالضربة المُعلنة مسبقاً تفقد كثيراً من فعاليتها، إذ تمنح الخصم وقتاً ثميناً لإخلاء مواقع حساسة أو إعادة توزيع قواته. في الحروب الحديثة، التفوّق لا يُقاس فقط بحجم النيران، بل بدقّة الاستخبارات وسرعة القرار وتوقيت التنفيذ.

لكن المفارقة أن هذا السيناريو، رغم محدوديته الشكلية، يحمل قابلية عالية للتدحرج. فإيران قد تعتبر أي استهداف مباشر لأراضيها إعلان حرب، وتردّ عبر منظومتها الصاروخية أو عبر أدواتها الإقليمية. وهنا قد يتحوّل لبنان تلقائياً إلى ساحة ضغط، سواء عبر فتح جبهة محدودة أو تصعيد مدروس.

تصريحات نائب الأمين العام لـحزب الله نعيم قاسم حول الاستعداد للدفاع عن إيران، تقابلها رسائل إيرانية عبر قناة العالم تتحدث عن وضع قاعدة الجيش اللبناني في حامات ضمن الاهداف الايرانية. هذا التداخل بين الجبهات يجعل الساحة اللبنانية الأكثر هشاشة أمام أي خطأ في الحسابات.

بالنسبة للبنان، الخطر لا يكمن فقط في اندلاع حرب شاملة، بل في لحظة الضباب: حين يختلط الدخان السياسي بالدخان العسكري. قد يستيقظ اللبنانيون على خبر “عملية جراحية محدودة” في مكان بعيد، ليكتشفوا أن ارتداداتها تقترب من حدودهم بسرعة.

الضربة العسكرية تبقى خيارًا قائمًا في حسابات القوة، خاصة إذا اعتُبر أن التفاوض بلغ طريقًا مسدودًا، أو أن التطوّر النووي الإيراني تجاوز الخطوط الحمراء الغربية. لكن في المقابل، تبقى الحرب الشاملة خيارًا مكلفًا للجميع، ما يجعل لعبة حافة الهاوية مستمرة: تصعيد محسوب، ورسائل متبادلة، وخطوط حمراء تتحرّك بصمت.

بين بطء المفاوضات وسرعة الصواريخ، في عالم يتقدّم فيه القرار العسكري أحياناً على القرار السياسي، يكفي تقدير خاطئ واحد ليتحوّل الضغط إلى اشتعال.

ليبقى السؤال مفتوحًا: هل الدبلوماسية مظلّة سلام حقيقية، أم ستار دخان لقرارٍ اتُّخذ بالفعل وينتظر لحظة التنفيذ؟