في السياسة اللبنانية، لا شيء يبدو عفوياً. كل حركة محسوبة، وكل تصريح موضوع في توقيته، وكل اعتراض يُطلق في لحظته المناسبة. غير أنّ الهدف، مهما غُلِّف بشعارات الوطنية والدستور، يبقى في كثير من الأحيان مجرد حماية مصالح آنية، حتى ولو جاءت على حساب الوطن والمواطن.
ما يقوم به رئيس مجلس النواب نبيه بري في الآونة الأخيرة يشبه، إلى حدّ بعيد، إدارة لعبة شطرنج سياسية هدفها حماية “الملك”. تتحرّك القطع في اتجاهات متعاكسة، لكن اللاعب واحد، والغاية واحدة.
فمن جهة، يستثمر وزير المال المحسوب على حركة أمل، ياسين جابر، حاجة العهد إلى موارد مالية لإرضاء العسكريين المتقاعدين، فيطرح حلولاً تقوم على زيادة الضرائب على البنزين ورفع ضريبة القيمة المضافة، فتُقرّ الحكومة المشروع. لكن سرعان ما تفاجأ الحكومة بتحرّك نقابيين محسوبين على حركة أمل للاعتراض على الضرائب في الشارع، علماً أن هذه الضرائب اقترحها ممثل الحركة في الحكومة. مشهد يطرح سؤالاً بديهياً: من يُحاسِب مَن؟ وهل نحن أمام “حركة سلطة” و”حركة معارضة” في آنٍ معاً؟
هل هي ازدواجية في الموقف؟ أم توزيع أدوار مدروس، تتولى فيه جهة اتخاذ القرار فيما تتولى جهة أخرى امتصاص النقمة الشعبية؟ هل أصبحت اللعبة أقرب إلى الشطرنج، حيث تُحرَّك الأحجار كلها لحماية مصالح “الأستاذ”؟ أم أن رئيس مجلس النواب بدأ بإلقاء “قشر الموز” في طريق رئيسي الجمهورية والحكومة لإحراجهما سياسياً؟
تكتمل الصورة مع إعلان الرئيس بري أنه أول من ترشّح للانتخابات النيابية المقبلة، في خطوة استباقية تعكس رغبة في تثبيت الأمر الواقع باكراً. إلا أن اللافت، في الوقت نفسه، طلبه من عباس فواز الترشّح عن المقعد الشيعي في ما يُعرف بـ“الدائرة 16”، رغم غياب المراسيم التطبيقية الخاصة بها، ما يفتح الباب أمام الطعن وعرقلة العملية الانتخابية. وهذا ما حصل فعلاً، إذ بادر فواز، بعد تسجيل ترشّحه، إلى الطعن المسبق في المسار الانتخابي.
وهنا أيضاً يتكرّر السؤال: هل نحن أمام اعتراض قانوني مشروع؟ أم أمام خطوة احتياطية تُستخدم لنسف الاستحقاق إذا لم تأتِ نتائجه بما يخدم مصالح “الأستاذ”؟
ثم يظهر مشهد آخر تمثل في اقتراح وزيرة البيئة المحسوبة على حركة أمل فرض رسوم وضرائب مرتفعة جدًا على الأضرار البيئية للمقالع، قُدّم باعتباره وسيلة لتأمين موارد ضخمة لخزينة الدولة وحماية البيئة. علماً بأن، وفقًا للقوانين المرعية الإجراء، لا يمكن إصدار أوامر تحصيل كما اقترحت الوزيرة قبل رفض المستثمر إعادة تأهيل المقالع بشكل علمي وعلى نفقته الخاصة. في ظاهره يبدو الطرح بيئياً إصلاحياً، لكنه في جوهره يستهدف عملياً صناعة الإسمنت تحديداً. فبدلاً من معالجة الخلل عبر تحديث الأطر القانونية وإصدار الرخص، وفرض إعادة تأهيل المواقع المستثمرة كما يحصل في الدول المتقدمة، جرى اللجوء إلى مقاربة ضريبية غير عقلانية ستؤدي حكماً إلى القضاء على هذه الصناعة وتشريد عمالها تحت عنوان حماية البيئة.
في لعبة الشطرنج، قد يضحّي اللاعب بقطعة لحماية الملك، وقد يحرّك قطعه في اتجاهين متناقضين لإرباك خصمه. لكن في السياسة اللبنانية، الخصم ليس دائماً الطرف الآخر، بل قد يكون مستقبل الدولة ومصالح الشعب.
يبدو الرئيس بري اليوم لاعب شطرنج متمرّساً: يصنع القرار ثم يعترض عليه؛ يترشّح مبكراً ويُمهّد للطعن في قواعد اللعبة؛ يقدّم حلولاً مالية فيما الهدف تدمير صناعة معيّنة لغاية في نفس يعقوب. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن اللبناني هو من يدفع الكلفة: ضرائب إضافية، ضبابية سياسية، وقطاعات إنتاجية مهدّدة.
السؤال الجوهري لم يعد: مَن يتحرّك على رقعة الشطرنج السياسية؟ بل: إلى أين تتجه اللعبة؟ هل الهدف حماية الاستقرار؟ إدارة التوازنات؟ أم فقط ضمان مصالح “الملك”؟