جوزيف حبيب

المناضلة والجاحدة

4 دقائق للقراءة

تَمتحن التجارب الإنسان وتظهره على حقيقته، فإمّا أن تصقله وتنمّيه، وإمّا أن تفجّر خبثه وفساده الفكري والأخلاقي. لا يوجد مثال أكثر تعبيرًا عن شخصيّتين متناقضتين جوهريًا عن بعضهما بعضًا، كالفرق الشاسع بين المناضلة الإيرانية - الأميركية مسيح علي نجاد، والجاحدة الصومالية - الأميركية إلهان عمر، التي ولسخرية القدر هي نائبة في الكونغرس الأميركي.

تعرّضت علي نجاد لمحاولات اغتيال وخطف فاشلة على الأراضي الأميركية بأوامر من ملالي طهران، بسبب آرائها الراسخة ومواقفها الحازمة ضدّ الجمهورية الإسلامية وعتاتها. لم تتوانَ مسيح لحظة عن دعم الثائرين الإيرانيين ضدّ نظام آيات الله بإيصالها صوتهم إلى العالم أجمع، وبتواصلها وعملها مع صناع القرار في واشنطن بهدف إنقاذهم وتحريرهم من القتلة.

بعكس عمر الغارقة في مستنقع أيديولوجي نتن مشبّع بالضغائن اللامتناهية والتفاهات اللامحدودة، تجسّد علي نجاد المرأة الحرّة والشجاعة الساعية نحو حياة أفضل لنفسها وشعبي أميركا وإيران. كذلك، بخلاف إلهان الحاقدة والمعادية الصريحة لقيم الولايات المتحدة وروحيّتها، تمثل مسيح تلك اللاجئة السياسية التي احتمت بأميركا، واحتُضنت عن جدارة، وتألّقت في ربوعها، وساهمت في الحفاظ عليها والدفاع عنها والحرص على نهضتها المستدامة، لكي تبقى ملجأً لجميع المظلومين الطامحين لواحة مستقرّة وحرّة في عالم مليء بالاضطرابات والظلامية.

لا تُحرّك عمر سوى الأحداث المتناغمة مع أفكارها المعلّبة المنتهية الصلاحية، رغم كلّ الآفاق المفتوحة أمامها. لم نسمع إلهان تتضامن مع الحرائر الإيرانيات اللواتي يضطهدنَ ويسجنَ ويجلدنَ ويعذّبنَ ويُقتلنَ منذ استيلاء "الثورة الإسلامية" على مقاليد السلطة حتى اليوم. ربّما لا يعنيها إطلاقًا الدفاع عن ثائرين ضدّ نظام إسلامي جائر، وكأن لسان حالها يقول: لماذا لا ترتدي النساء والفتيات الإيرانيات حجابهنَّ الإلزامي ويخضعنَ لقوانين بلادهنَّ؟ لن يُذهل المرء إن كانت عمر و"إخوانها" يعتبرون أن القوانين الأميركية مجحفة ورجعية، بينما يرون قوانين الجمهورية الإسلامية عادلة وتقدّمية.

بالفعل كم هي ظالمة الحياة على الأرض وغير منصفة. فأشباه عمر، من نساء ورجال، يعيشون وفق تقاليد مماثلة للجمهورية الإسلامية وأعرافها وثقافتها وقيمها، طبعًا مع هوامش وتعديلات مطلوبة لتتلاءم مع أهوائهم وتتكيّف مع ظروفهم، إنما في الغرب تحديدًا، علمًا أنهم هربوا من جحيم بلدانهم المفصّلة على مقاييسهم ويرفضون العودة إليها. أمّا أمثال المقاومات والمقاومين في إيران، فقدّر لهم أن يخوضوا "حربًا وجوديّة" ويدفعوا أثمانًا باهظة على مذبح التحرّر من "استعمار داخلي" تقوده "فرقة متزمّتة" تذبح شعبها في سبيل الدفاع عن مكتسباتها وتطبيق عقيدتها.

تُظهر الأحوال المتناقضة بين هاتين المجموعتين من الناس بالذات، مدى خطورة العالم الذي نحيا فيه وفداحة السياسات التي ساهمت، بعلم المعنيين أو بجهلهم أو كليهما، بتعميق تلك الفجوة بين "عبيد الأيديولوجيا" الوقحين والوصوليين والمحظوظين للأسف، وبين "كاسري القيود" الجريئين والمستقيمين، والمنحوسين لسوء الحظ. تمكّنت علي نجاد ورفاقها من توجيه صفعات قاسية متتالية لعمر وحلفائها من الإسلاميين واليساريين والتائهين، وإدانة مواقفهم النابعة من تفكيرهم العقيم ونظرتهم القاصرة ومعاييرهم المزدوجة، وفضح زيف الكثير من المنظمات "الحقوقية" المأجورة وكشف نفاقها المقيت.

المنتصر فعليًا في "الحرب الثقافية" بينهما واضح، بيد أن الكلفة على أصحاب القضايا المحقة في الدول التافهة مرتفعة للغاية بكلّ المقاييس. يتنزّه أصحاب الامتيازات غير المستحقين على "السجاد الأحمر" في الغرب ويبصقون عليه باغتياظ عجيب، أمّا أولئك الذين اختاروا إسقاط الطغاة السفاحين، فعليهم شق طريقهم وسط الأشواك بفرح عظيم.