ماريو ملكون

بين بري وقاسم ورجّي ورشدان… مَن يُحاسب مَن؟

3 دقائق للقراءة

رغم كلّ ما جلبه محور الممانعة من كوارث وويلات على الشعب اللبناني، ما زالت عناصره في لبنان تُنصّب نفسها واليةً على الأنفاس وحاكمةً بالنفوس.

إنّ هرطقة إقالة وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، مصحوبةً بهَمروجة محاكمة الفنان أسعد رشدان، تدعوان إلى التوقّف بتمعّن، ليس لاستغراب وقاحة الفريق الذي فشلت كلّ رهاناته وسقطت كلّ سرديّاته، بل لوضع مَن هو في موقع المسؤولية أمام حقيقة مُبرَمة: مع هذا الفريق، لا أمل ببناء دولة. إنّ مواجهته دستورياً وقانونياً وقضائياً واجبٌ وطني لا مفرّ منه.

جريمة رجّي أنّه ملتزم بالبيان الوزاري، وربطاً بنصوص خطاب القسم واتفاق وقف إطلاق النار والقرارات الدولية والدستور اللبناني، وأنّه، فوق ذلك، حريص على سلامة اللبنانيين ومؤسساتهم ومرافقهم ودولتهم، وأنّه يرفع الصوت على المنابر الدولية لوقف كلّ الاعتداءات وكافة أشكال الحروب التي حوّلت لبنان ساحةً في حسابات الآخرين.

وجريمة رشدان أنّه مواطن لبناني تمسّك بأرضه رغم قدرته على العيش في بلدٍ آخر أكثر أمناً، اقتصادياً واجتماعياً. جريمته أنّه رفض الانصياع والصمت أمام مَن صادر سنوات شبابه، ويريد أن يُكمِل على سنوات شيبه، ويُنهي كلّ آمال قيام الدولة الفعلية.

جريمتان في مفهوم الممانعة، وهما في ميزان اللبنانيين، بأكثريتهم الساحقة، فعلان وطنيان يستحقّان التكريم، لأنّهما يتحدّثان باسم أغلبية اكتوت من نار العبثية.

أمّا المُضحك المُبكي، فهو أنّ مَن يوزّع أحكام المحاسبة هو أوّل مَن يجب أن يُدرَج على لائحة المحاكمة والمحاسبة.

يُجسّد الناطقان الرئيسيّان باسم محور الممانعة في لبنان، أي رئيس مجلس النواب نبيه بري وأمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، أمثولتين فاقعتين لمخالفة الأحكام والأصول والنصوص الدستورية. الأوّل يتحكّم بالسلطة التشريعية ومساراتها وفق أهوائه، بعيداً عن نظامها الداخلي وأعرافها وأحكام الدستور. والثاني يواصل المجاهرة بتمرّده على الدولة، عبر ربطه قرارات الحرب والسلم والقوّة المسلّحة بإرادة وليّ أمره في طهران، لا بدستور لبنان.

وتُجسّد قضية احتكار الدولة للسلاح وإنهاء أي وجود مسلّح خارج أطرها القضية الأكبر، التي تحتاج محاسبةً تاريخية، لكونها قوّضت مشروع الدولة وانعكست بشكل دراماتيكي على حياة اللبنانيين لعقود متتالية. وهنا المسألة لا تندرج ضمن صراع سياسي، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بجوهر انتظام الدول وسببية وجودها. إنّ تكريس ورعاية الانقلاب على أحكام الدستور، القاضي ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، بل والانخراط والمشاركة في هذا المشروع، ليس مجرّد موقف أو تعبير خاضع لمناقشة مدى صوابيته، بل هو جريمة موصوفة جلبت دماراً وموتاً وتهجيراً وتصفيةً لأحلام شعب، وإلغاءً لوجود مجموعات بشرية جمّة.

إن كان لا بدّ من محاسبة، فيجب أن يقف يوسف رجّي وأسعد رشدان، بما يُمثّلانه، ليُحاكما باسم الشعب اللبناني، نبيه بري ونعيم قاسم، بما يُمثّلانه وبما ارتكباه بحقّ الدستور والمؤسسات ومصير الأجيال. لقد آن الأوان أن يُعيد الشعب اللبناني مطرقة الدولة إلى مَن يضعها داخل المؤسسات لا خارجها، وإصبع المحاسبة إلى مَن يرفعه باسم اللبنانيين لا في وجههم. فلتكن الانتخابات النيابية في أيار المقبل استحقاقاً للمحاسبة، ودرساً للتاريخ، وانتصاراً للأجيال القادمة.