كثيرًا ما يُقال لنا إن الصمت هو قمّة الرفاهية، ويبدو أنه يُباع الآن في مجموعات هدايا فاخرة تشمل علاجات "Spa" وشايًا عضويًا من الأعشاب ورداء حمام أبيض، يجعلنا نبدو كقطع لبنة "مكعزلي" في إجازة. يُفترض أن الصمت أصبح الكافيار الجديد، وبهذا المعدّل سندفع ثمنه على ثلاث دفعات من دون فوائد. مع ذلك، إذا تأمّلنا حياتنا اليومية بصدق ندرك أن الضجيج مجاني، وفير، ويصل إلى عتبة بابنا من دون أن نطلبه.
الضجيج دخيل، لا يستأذن. يتسلّل إلى منازلنا عبر الجدران والأنابيب والنوافذ، وأحيانًا حتى عبر أرواحنا. يمكننا إغلاق الباب بإحكام وسحب الستائر وتركيب زجاج ثلاثيّ الطبقات، لكن لا فائدة. للضجيج مجموعة مفاتيح احتياطية ومفتاح رئيس شامل.
لنأخذ جارنا في الطابق العلويّ على سبيل المثال. هذا الكائن الغامض، لا نعرف مهنته لكننا نعرف جدول نقل أثاثه جيدًا. إنه لا يمشي أبدًا، بل يفلح فلاحة دائمة. كأنه يتحرّك بخطوات ثقيلة على أرضيّة، أشبه بالطبل منتعلًا حذاءً ذا نعل سميك. في تمام الساعة 6 و 12 دقيقة، صباحًا، يُسقط شيئًا ثقيلًا. وعند الساعة 6 و 14 دقيقة يُدحرجه، والساعة 6 و 16 دقيقة يشرع، في ما يبدو وكأنها جلسة بولينغ حماسية. نكاد نظن أنه أجّر غرفة معيشته لفريق من عمّال نقل الأثاث الذين يعانون من الأرق.
الطابق السفلي
جارنا في الطابق السفليّ، ليس أفضل حالًا. يستمع إلى الموسيقى، أو هذا ما يدّعيه. في الواقع، هو يختبر عزل الصوت في المبنى. لديه شغف بصوت الموسيقى الجهوريّ العميق، لدرجة يبدو وكأنه قادم من باطن الأرض. لا ندري إن كان من عشاق "التكنو" أم عامل حفر نفط سابقًا. تهتز الأرضية وتتصادم الأكواب وقطّتنا الهادئة عادةً، تبحث عن ملجأ تحت الأريكة، وكأن إشعاعًا نوويًا اجتاح المكان.
أوركسترا الشارع
أما الشارع فأشبه بأوركسترا سيمفونية يقودها زمّور سيارة. والزمّور هو الأداة المفضلة لدى المواطن اللبناني. نستخدمه لكلّ شيء: للتحية والاحتجاج والتشجيع والتهديد والاحتفال بالزفاف، وحتى للإشارة إلى خطأ كوني في اصطفاف الكواكب. يبدو أن بعض السائقين مقتنعون بأن لأبواق سياراتهم فوائد تعليمية. فإذا تحوّلت الإشارة إلى اللون البرتقالي نطلق الزمّور، وإذا تردّد أحد المشاة نطلق الزمّور، وإذا ظلّت الإشارة خضراء لمدة 0.8 ثانية، نطلق الزمّور بغضبِ من اكتشف ظلمًا جديدًا.
وسائل نقل وهواتف
تحوّل الضجيج اليوم إلى شكل من أشكال التعبير الديمقراطي. لكلّ منا رأيه، وقبل كل شيء رأيه، فالدرّاجات النارية المعدّلة لا تسير بل تعلن عن وصولها كآلهة قديمة، بحيث لا نرى الدرّاجة بل نتحمّلها فقط، تصل وتعبر وتختفي لكنها تترك أثرًا صوتيًا قادرًا على إيقاظ ذكريات الطفولة لثلاثة أجيال.
في وسائل النقل العام، إذا صودف والتحقنا بإحداها، ضجيجها أصبح أكثر حداثة. لم نعد نتحدّث إلى الشخص على الطرف الآخر من الخط، بل نتشارك المكالمة مع جميع الركاب. الكلّ في الباص يعرف أن طوني نسي شراء الخبز، وأن آمال متردّدة بين لونَين لطلاء أظافرها، وأن ركبة العمّة مونيك لا تزال تؤلمها. كأننا كبسنا على محطة إذاعية محلية مجانية تفاعلية لم نطلب الاشتراك فيها.
والهواتف المحمولة من جهتها تهتز وترن وتصدر أصوات تنبيه وترسل إشعارات. كلّ تطبيق يشعر بأنه ملزم بإثبات وجوده برنين قصير: رسالة رنين، بريد إلكتروني رنين، عرض ترويجي رنين، تذكير رنين... وبنهاية اليوم لا نعرف إن كنا بشرًا أم لوحة تحكّم هاتفية.
أشياء تتكلم
حتى أكثر الأشياء براءة صارت تتحدّث: الغسّالة تغني عند انتهاء دورة الغسيل، الميكروويف يُطلق إشارة انتصار عند انتهاء مهمّته، السيارة تحذرنا أننا لم نربط حزام الأمان، وأننا ربطناه، وأن الباب مفتوح، وأنه مغلق، وتحذرنا من وجود المفتاح ومن عدم وجوده. لم نعد نقود السيارة بل أصبحنا تحت المراقبة السمعية الدائمة.
عطلة نهاية الأسبوع
الضجيج سلاح اجتماعي أيضًا، وعاشق الصيانة في عطلة نهاية الأسبوع مثال واضح على ذلك. ينتظر اللحظة غير المناسبة، عادةً صباح الأحد الساعة الثامنة وثلاث دقائق، ليكتشف فجأة شغفًا بالثَقب. يثقب بحماس وإيمان وكأنه يبحث عن كنز مدفون في جدار حامل. المشكلة أن هذا الجدار هو جدارنا نحن أيضًا.
كما أن الأطفال أدركوا بدورهم مبكّرًا أن الضجيج قوّة خارقة، فهم يصرخون لاختبار الصدى في السوبرماركت ويركضون بين الممرّات ويُسقطون الأشياء بجديّة علميّة. الأمر ليس شقاوة بل بحثًا تطبيقيًا يستكشفون من خلاله صدى العالم. أما نحن فنبتسم ابتسامة مصطنعة ونقول إنها مجرّد مرحلة، و "يقبروني شو عاقلين!".
ضجيج العمل
بالانتقال إلى مكان العمل، ففي المكتب المفتوح فوضى دائمة: نقرات لوحة مفاتيح الكومبيوتر ورنين الهاتف وصرير الكرسي وسعال أحد الزملاء، وهناك دائمًا من يمضغ شيئًا مقرمشًا لحظةَ محاولتنا التركيز. نتحدث عن التآزر والأداء والتعاون، لكننا في الواقع نتعلّم تمييز زملائنا من طريقة تنفسهم.
شك الصمت
وسط كلّ هذا، يصبح الصمت موضع شك. فإذا ساد فجأة نشعر بالقلق. نتفقد الثلاجة ونتأكد من شبكة "الواي فاي"، ونتساءل إن كنا فقدنا السمع. الصمت نادر لدرجة تثير الريبة، وكأنه رسالة عن خطأ في النظام.
قد نظن أن الريف ملاذ آمن، لكننا على خطأ، فهناك صياح الديكة وأصوات الجرّارات وصريخ الجارة من الحيّ "الفوقاني" لجارتها المفترضة في الحيّ "التحتاني". الديك لا يصيح بل يفرض وجوده، في الخامسة صباحًا يعلن أنه حيّ ويكرّر الإعلان بعد سبع دقائق تحسُّبًا لعدم الانتباه.
حتى الطبيعة تشارك في الصخب: الرياح تصفر والمطر يدق على النافذة والعاصفة تزأر، ونحن نمنح كل ذلك طابعًا رومانسيًا. لكن في الثالثة صباحًا، لا يبدو صوت مصراع النافذة شاعريًا بل أقرب إلى دقة طبل عسكري.
مفارقة أخيرة
في النهاية، ربّما يكون الضجيج وسيلتنا لإثبات وجودنا: نصدره كي لا نختفي، نطلق زمامير سياراتنا لنعترف بأننا هنا، ونتحدث بصوت عال لنعزز أهميتنا، ونهز الجدران لنترك أثرًا. أمّا الصمت فلا يفرض شروطًا بل يكتفي بأن يكون.
ويا له من نعيم حين يتوقف كلّ شيء فجأة! لا محرّك لا مثقاب لا إشعار، لحظة معلّقة نكاد نسمع فيها أنفاسنا. نكتشف أن العالم لا ينهار في غياب الديسيبيلات، بل يتنفس بطريقة مختلفة. لكن الهدوء لا يدوم كما "فيري"، ففي مكان ما ينطلق هدير دراجة نارية ويهدر هاتف ويبدأ جار بنقل خزانة ملابس كبيرة... يعود الضجيج ثابتًا مستمرًا لا يُقهر.
التأقلم
لذلك نتأقلم، نستثمر في سدّادات الأذن وسمّاعات إلغاء الضجيج وقوائم تشغيل أصوات مريحة تحاكي صوت المطر. نخلق ضجيجًا مقبولًا لنخفي ضجيجًا يزعجنا. إنها مفارقة واضحة كوننا نحارب الضجيج بالضجيج. ربما يأتي يوم يصبح فيه الصمت إلزاميًا منظَّمًا خاضعًا لرقابة قانونية. تُفرض غرامات على مستويات الصوت المفرطة كما تُفرض على السرعة الزائدة، نهمس في الشارع ونصفق بصمت ونطلق زمامير سياراتنا عن بعد...
لكن ماذا لو كانت الفضيحة الحقيقية ليست ضجيج الآخرين بل الضجيج الذي ننتجه نحن؟ سؤال يستحق التفكير، إنما ليس الآن، لأن جارنا أخرج مثقابه، و "بدنا نروق"!