د. رندة طباع

ذاكرة الأرواح الصامتة

دقيقتان للقراءة

ليس كل صمتٍ فراغاً، فبعض الصمت ذاكرةٌ كاملة، كتابٌ من المشاعر لم تُكتب سطوره بالحروف بل نُقشت في الأرواح. هناك صمتٌ يفوق في بلاغته آلاف الكلمات، فإذا فهمته شاركت الآخر أدق أحاسيسه، واصبحت بينكما لغة لا تحتاج إلى ترجمان، لغة تُقرأ من نظرة عابرة أو ابتسامة صادقة فاضت بما عجزت عنه العبارات.

كم من عينٍ تحدثت بصمتها أكثر مما تحدثت الألسن، وكم من إلتفاتةٍ صغيرة حفرت في ذاكرة صاحبها دفئاً واهتماماً تجاوزا حدود الكلام. فبعض القلوب لا تتذكر ما قيل لها، لكنها لا تنسى أبداً من أنصت لصمتها وفهم ما اختبأ خلفه من رجاء أو ألم أو حنين.

وفي الوجه الآخر من الحكاية، قد يكون الصمت صرخةً دفينة أكلت صاحبها منذ نعومة أظافره، وجعاً تراكم طبقة فوق طبقة حتى غاب عن أعين الناس. يراه الجميع تمثالاً من حجر، بينما في داخله بحرٌ من المشاعر المكبوتة والعواصف التي لم تجد طريقها إلى النور. وقد يكون ذلك الصمت باباً إلى الله، يقرّب الإنسان من خالقه فيعتنق النسك والتأمل، ويكتشف في السكون سكينةً لا تمنحها ضوضاء العالم. وقد يتحول أحياناً إلى قيدٍ ثقيل يرمي بصاحبه في ظلمات نفسه حتى يكاد يهوي إلى أسفل السافلين.

لذلك ليس الصمت شيئاً واحداً؛ فقد يكون رحمةً، وقد يكون استغاثةً، وقد يكون حباً نبيلاً، وقد يكون ألماً مستتراً. وما أندر أولئك الذين يستطيعون قراءة ذاكرة الصمت، فيرون ما وراء الملامح، ويسمعون ما لم يُقل، ويمدون أيديهم إلى الأرواح قبل أن تنطق الشفاه. فالتواصل الأعمق بين البشر لا يولد دائماً من الكلمات، بل من ذلك السكون الصادق الذي يعبر المسافات كلها ليصل مباشرةً إلى القلب.