في لحظةٍ كان يُفترض فيها أن تتجلّى الحكمة، اختار النظام الإيراني طريق المكابرة. فبعد تعرّضه لعملية عسكرية مشتركة من الولايات المتحدة وإسرائيل، بدل أن يسعى إلى احتواء التصعيد وكسب تعاطف الجوار العربي، اندفع إلى إطلاق صواريخ باتجاه المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر والكويت وغيرها من الدول العربية. خطوةٌ لا يمكن توصيفها إلا بأنها انتحار سياسي يُضاف إلى سجل طويل من السياسات المتهوّرة.
كان بإمكان طهران، لو أرادت فعلاً تجنّب حربٍ أوسع، أن تخاطب الشعوب العربية بلغة التضامن ضد أي اعتداء خارجي، وأن تميّز بين خلافاتها السياسية مع بعض الأنظمة وبين المصالح المشتركة لشعوب المنطقة. كان بإمكانها أن تقول إن المعركة مع واشنطن وتل أبيب لا تستوجب تحويل العواصم العربية إلى ساحات رسائل نارية. لكنها اختارت العكس تماماً، اختارت أن توسّع دائرة النار، وأن تعمّق عزلتها، وأن تثبت مجدداً أن منطقها قائم على تصدير الأزمات لا حلّها.
هذا السلوك ليس وليد اللحظة. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979، اعتمدت القيادة الإيرانية نهج تصدير الثورة عبر أذرع عسكرية وأمنية في أكثر من ساحة عربية. في لبنان والعراق وسوريا واليمن، دفعت الشعوب أثماناً باهظة لصراعات المحاور. عواصم تضرّرت، مؤسسات تفككت، واقتصادات انهارت تحت وطأة سياساتٍ جعلت من هذه الدول ساحات نفوذ لا أوطاناً ذات سيادة.
الأدهى أن النظام الذي لم يتردّد في قمع شعبه في الداخل، وقمع المتظاهرين المطالبين بالحرية والكرامة، يطلب من الخارج تفهّم هواجسه الأمنية. كيف يمكن لقيادةٍ لم تُحسن إدارة بيتها الداخلي، وتركت شعبها يرزح تحت العقوبات والفقر والتضييق، وان تسحق كل معارض، أن تقنع جيرانها بأنها شريكٌ في الاستقرار؟ وكيف يمكنها أن تطلب تعاطفاً عربياً فيما صواريخها تتجه نحو مدنٍ عربية؟
إن استهداف دول الخليج في هذا التوقيت لا يخدم سوى خصوم إيران. فهو يمنحهم ذريعة لتوسيع التحالفات ضدها، ويعزّز واقعة أنها مصدر تهديد إقليمي دائم. وبدل أن تحصر المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، اختارت أن تفتح جبهاتٍ إضافية مع محيطها الطبيعي. إنها معادلة الخسارة المزدوجة: خسارة التعاطف، وخسارة القدرة على المناورة السياسية.
وما جرى اليوم يقدّم مؤشراً إضافياً على أن هذا النظام بات في مرحلة اهتزاز عميق. فبدلاً من أن يتصرّف بثقة دولةٍ ولو أنها غير مستقرة، تصرّف بذهنية سلطةٍ مأزومة تبحث عن أي ردٍّ سريع يغطّي حجم الاختراق الذي تعرّضت له. إن الضربات التي طالت إيران كشفت هشاشة بنيتها الدفاعية والسياسية، وأظهرت أن النظام، الذي طالما قدّم نفسه قوةً إقليمية لا تُمسّ، بات مكشوفاً أمام خصومه. ومن هنا، فإن تعنّته وتصعيده ضد الدول العربية لا يعكسان قوة، بل خوفاً من لحظة استحقاق داخلي وخارجي يقترب بسرعة.
بل يمكن القول إن سلوك القيادة الإيرانية بعد ضربات اليوم عزّز القناعة لدى كثيرين بأن هذا النظام آيلٌ إلى السقوط عاجلاً أم آجلاً. فحين تختار السلطة توسيع دائرة الأعداء بدل تضييقها، وتُمعن في استعداء محيطها العربي بدل احتوائه، فإنها تدفع الدول المتضرّرة إلى مزيد من التمسّك بخيار تغييره. إن عنادها ليس مجرّد خطأ تكتيكي، بل سبب إضافي يدفع الآخرين إلى اعتبار إسقاطه شرطاً لإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
كان الأجدى بالقيادة الإيرانية أن تدرك أن العالم العربي اليوم ليس ساحةً سائبة، وأن أمن دوله خط أحمر لشعوبه قبل حكوماته. وكان الأجدى بها أن تفهم أن زمن توظيف الأذرع لإخضاع العواصم وابتزازها قد ولّى، وأن الشعوب التي عانت من الفوضى والحروب لن تقبل بأن تُدفع مجدداً إلى أتون صراعٍ لا ناقة لها فيه ولا جمل.
إنها لحظة انتحار حقيقي، كون طهران تعتمد سياسة الهروب إلى الأمام، بدلاً من أن تُعيد قراءة المشهد بواقعية وتقرّ بأن استقرار المنطقة لا يُبنى بالصواريخ بل بالإحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين...
بكافة الأحوال لم يعد من متّسع للوقت لتغليب لغة العقل الإيرانية، لأن سقوط نظام الملالي بات بمتناول اليد والعقل والنظر... والسلام
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"