جاد حداد

6 Balloons... قصّة مؤثّرة عن عواقب الإدمان

4 دقائق للقراءة

يصعب أن يحب الناس المدمنين. غالباً ما تتدهور علاقات الشخص المدمن مع الآخرين، حتى أنه قد يسحب أقرب الناس إليه إلى الحضيض فيما يحاول مقاومة مشكلته. لم ينجح أي فيلم في طرح هذا الموضوع بقدر (6 Balloons ) بالونات 6 المعروض على شبكة "نتفليكس" للمخرجة وكاتبة السيناريو ماريا لويس راين. الفيلم من بطولة ممثلَين شابَين معروفَين عموماً بالأعمال الكوميدية، لكنهما يشاركان هذه المرة في قصة درامية مؤثرة ومخيفة حول تداعيات الإدمان على حياة المحيطين بالمدمن. تكثر القصص التي تتمحور حول مدمنين يحاولون أن يوقفوا تعاطي المخدرات، لكن كيف يستطيع الناس أن يقطعوا علاقتهم بالمدمن الذي لا يكفّ عن تدمير حياتهم؟

في التفصيل، تستعد "كايتي" (آبي جاكوبسون من مسلسل Broad City) لتنظيم حفلة عيد ميلاد مفاجئة لحبيبها، فتذهب لشراء البالونات مع والدتها (جاين كازماريك) ووالدها (تيم ماثيسون) ويحضر أصدقاؤها لتجهيز المكان باكراً. لكن سرعان ما يتّضح أن شقيقها "سيث" (ديف فرانكو) وابنته "إيلا" البالغة من العمر أربع سنوات مفقودان. لا يجيب "سيث" على هاتفه وتوحي ملامح وجه "كايتي" بأنها تعرف معنى اختفائه. حين تصل إلى شقته لجلبه مع "إيلا" إلى الحفلة، تلاحظ أنه لم يفتح بريده منذ فترة فتقول: "هذا ما حدث في المرة الماضية أيضاً". "سيث" مدمن على الهيروين وقد انتكست حالته بكل وضوح.



يوافق "سيث" على تنظيف جسمه من السموم، فتصطحبه "كايتي" إلى عيادة لتلقي العلاج مجدداً. يُفترض أن تذهب "كايتي" لجلب قالب الحلوى كما وعدت أصدقاءها وأفراد عائلتها وتجلب ابنة شقيقها إلى الحفلة أيضاً. لكن لا تسير هذه الخطة بالشكل المتوقع طبعاً. لا تقبل العيادة الأولى تأمينه الصحي ويكلّف نظام الديتوكس طوال 10 أيام 5 آلاف دولار. ثم يبدأ جسم "سيث" بالتمرد عليه. خسر فرانكو 10 كيلوغرامات من وزنه لتجسيد هذا الدور ويبدو أنه تعمّق في دراسة آثار وقف المخدرات داخل الجسم. يتخذ فيلم 6 Balloons منحىً مخيفاً أحياناً: هذا ما يحصل مثلاً حين تجلس طفلة في الرابعة من عمرها في مقعد السيارة وتشاهد هذه الأحداث كلها. لكن لم تتلاعب راين بشخصية الطفلة لحسن الحظ. يزيد وجود "إيلا" منسوب التوتر والتشويق في المشاهد لكنه يذكّرنا أيضاً بأن الإدمان ليس وضعاً معزولاً بل إنه يتطور بالقرب من الأولاد والأشقاء، فيضطر هؤلاء لمشاهدة انهيار المدمن.

حين تبدأ الحفلة التي خططت لها "كايتي" من دونها، تُشغّل راين مقطعاً صوتياً على مشهد "كايتي" و"سيث" وكأنها تريد بذلك أن تُقسّم فصول القصة، فيستعمل ذلك المقطع تشبيهاً عن مركب يغرق. قد يتلاعب هذا المقطع بالأجواء العامة في البداية لكنه يخدم القصة على أكمل وجه في الفصل الأخير من الفيلم. المشاهد الأخيرة مؤثرة بطريقة غير متوقعة ولا مفر من أن تترك أثراً قوياً لدى المشاهدين.

يثبت هذا الأثر مدى قوة راين وثقتها بنفسها ككاتبة ومخرجة، ويؤكد على قوة أداء جاكوبسون وفرانكو في هذا الفيلم. سبق وأثبت فرانكو أنه ممثل كوميدي موهوب ولطالما نجح في سرقة الأضواء في الأدوار الثانوية، لكنه يشارك هذه المرة في أول تجربة درامية قوية له ويصيب الهدف بكل وضوح. على صعيد آخر، ثمة ثقة لافتة بين راين وجاكوبسون: قد يكون المقطع الصوتي باهتاً للوهلة الأولى، لكنه يعبّر عن عواطف "كايتي" الداخلية بأفضل طريقة. لا تقدّم هذه الشخصية مشاهد كثيرة من نوع المناجاة الفردية ولا تكثر حواراتها لتفسير اضطراباتها العاطفية. بل إنها تعبّر عن مكنوناتها عبر عينيها ولغة جسدها، فيتّضح أنها لا تعرف ما يجب فعله لمساعدة "سيث" والامتناع عن إيذاء نفسها في خضم هذه المحاولات. باختصار، تقدّم هذه الممثلة أداءً ممتازاً.

حبذا لو كان الفيلم أكثر غنى من الناحية السردية (تقتصر مدته على 74 دقيقة). قد يرغب البعض في تمضية الوقت داخل السيارة مع "سيث" و"كايتي" لمشاهدة هذين الممثلَين الموهوبَين وهما يقدمان أدوارهما المؤثرة. كان من الأفضل أن يعرض الفيلم تفاصيل إضافية عن قصتهما، ومع ذلك لا بد من الإشادة بمقاربة راين المباشرة وتفضيلها قصة متماسكة ومقتضبة. كانت "كايتي" تخطط لحفلة مفاجئة في هذه القصة، لكن قد يكون هذا الفيلم من أكثر المفاجآت المؤثرة وغير المتوقعة هذه السنة.