اعتدتُ، في عيد رأس السنة، أن أضع حطباً في المدخنة، في حركة أريدُ منها التخلص مِما أعاقني في السنة المنقضية.
سأضعُ لهذه السنة حطبة ثخينة لكي تضيء عتمة غياب من رحلوا من صديقات وأصدقاء، ممن أناروا شعلة المودة في حياتي.
ستكون الحطبة من خشب السنديان، ما هو مديد وصلب في اشتعاله. ما يكفيني في مرافقتهم، في تشييعهم الذي لم يكن متاحاً لي أبداً.
عشية انقضاء السنة، سيروق لي النظر إلى تلك الأنوار المتعالية مع هواء العمر، إذ أشعر أنها تسبقني، وتنير قادم الأيام.
هذه السنة، ستفوتني هذه المشاعر. سترتفع الأنوار لتنقطع مثل انقطاع نَفَس الحياة نفسها. وسيبقى الجمر وحيداً مشتعلاً في رماده مثل قلبي المنهك.
كانت للسنة المنقضية أرجل من خشب. سأرميها في جوف المدخنة.
هذه السنة، التي لم نعش، لتمضِ من دون رحمة، مع أنها حرمتْنا من مجموع أيامها! لتحترقْ في المدخنة، من دون أن يشدني لهيب النار الذي يفتنني عادة.
لتمضِ مع قباحاتها...!
لتمضِ، فلن أبكي أحبتي وأصدقائي الذين قصفت أعمارهم، بل سأشرب نخبهم. واحداً واحداً، واحدة واحدة. سأقول لهم: ما عشناه، لا يبدده الزمن، ما دام أنني أتمتمُ وأكتب وأنظر عبر الصور ما كنّا عليه في مباهجنا. فالموت لا يُغيّب من عاشوا، وذاقوا الحياة بأسنانهم اللامعة، وبألسنتهم الشغوفة... لا يُغيّب من عاشوا الحياة مرات ومرات في لحظة واحدة. مَن وجدوا في الورقة، في اللوحة، أكثر من حياة لهم، ولي خصوصاً.
لتمضِ هذه السنة الكريهة، التي لن أحسبها من عمري. سأضع أوراقها في سلة النسيان، لأن لي رغبة في الزمن بأعلى ما في الشهوة من بهجة وطيران...
سأضع حطبة جديدة في مدخنة العيد طمعاً بنور لا ينقضي، ودفء لا ينعدم.