ألين الحاج

الثقافة والفنون في إيران: من الانفتاح إلى التقييد

4 دقائق للقراءة
من "مهرجان شيراز"

قبل قيام "الثورة الإسلامية" عام 1979، شهدت إيران  فترة من الانفتاح الثقافي والفني غير المسبوق تميّزت بدعم الدولة للإبداع الفني والابتكار، مع الحفاظ على التراث الثقافي الغنيّ، ذلك قبل أن يُقنن النشاط الفني بعد الثورة ضمن ضوابط رسميّة ودينية، مع تنظيم الفعاليات ومراقبتها بدقة.

في هذا السياق، شكّل "مهرجان شيراز - برسبوليس للفنون" أحد أبرز معالم الانفتاح الثقافي، إذ أُطلق في عام 1967 بمبادرة من زوجة شاه إيران حينها الإمبراطورة فرح بهلوي، وكان أحد أول مشاريعها الكبرى في مجال الثقافة والفنون، فيما أدارته "الإذاعة والتلفزيون الوطني الإيراني (NIRT)".

المهرجان استمرّ إحدى عشرة دورة حتى سنة 1977، وشمل عروضًا في أماكن متنوّعة داخل مدينة شيراز ومحيطها بما في ذلك آثار "برسبوليس" القديمة و "نقوش رستم" وحدائق ومتاحف، كما استضاف كبار الفنانين العالميين إلى جانب مطربين إيرانيين ومجموعة واسعة من المواهب المحليّة، ما جعل المهرجان منصّة لتبادل ثقافي عالميّ يجمع بين الشرق والغرب مؤكّدًا التلاقي بين الفن التقليديّ والفن التجريبيّ.

لكن المهرجان واجه لاحقًا تحديات سياسيّة ودينيّة، حيث أصدر المرشد الأعلى السابق روح الله الخميني فتوى ضدّ المهرجان عام 1977، فأُلغيت الدورة الثانية عشرة منه عام 1978 لأسباب أمنية، قبل أن يُحظر نهائيًا بعد تأسيس النظام الإسلامي عام 1979، وجرى تدمير أرشيفه بما في ذلك تسجيلات الفيديو والمطبوعات الرسمية والإعلانات داخل البلاد، في حين خرج جزء قليل من تلك المواد إلى الخارج.

وإلى "مهرجان شيراز"، شهدت إيران أيضًا مهرجانات سينمائية مبكّرة، منها "مهرجان طهران السينمائي الدولي"، الذي كان منصّة لعرض الإنتاجات المحلية والعالمية وربط السينما الإيرانية بالمشهد الدولي.

المسرح الإيراني كان مزدهرًا بدوره، مع نشاط كبير في الجامعات والمراكز الشبابية، حيث قدّمت فرقٌ مسرحيّة عروضًا تجريبية إلى جانب المسرح الشعبي التقليدي، ما أوجد بيئة ثقافية حيوية.

وفي مجال الفنون البصرية، ظهرت "حركة سقاخانه" (Saqqakhaneh Movement)، التي دمجت الرموز الدينية والشعبية مع الفن الحديث الغربي، لتشكّل هوية فنية إيرانية معاصرة.


معايير جديدة

بعد "الثورة"، توقف معظم هذه النشاطات الفنيّة المفتوحة، ومُنع العديد من الفنانين الإيرانيين من العمل. كذلك، أُعيد تنظيم القطاع الثقافي في إيران ضمن إطار مؤسّساتي تشرف عليه "وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي". ومنذ ذلك الحين، باتت الرقابة تشمل مختلف المجالات الفنية من السينما إلى المسرح والموسيقى، وصولًا إلى الفنون التشكيلية والنشر الأدبي.

في المقابل ظهرت مجموعة من المهرجانات والفعاليات التي جرى تنظيمها ضمن إطار رسميّ، أبرزها "مهرجان فجر السينمائي الدولي"، الذي أُطلق في أوائل الثمانينات في طهران. كذلك أُقيم "مهرجان فجر الدولي للمسرح" الذي جمع عروضًا محليّة ودوليّة متنوعة، و "مهرجان طهران الدولي للأفلام القصيرة"، بالإضافة إلى معرض "طهران الدولي للكتاب"، الذي يُعقد سنويًا.

وشهدت إيران مهرجانات مخصّصة للفنون التقليدية والتراث، مثل "مهرجان فجر الدولي للحِرَف اليدويّة والفنون التقليدية"، الذي يَعرض الحِرَف اليدوية والفنون الشعبية بمشاركة حرفيّين من مختلف المحافظات. 


إعادة إحياء "مهرجان شيراز" 

وإذ يظلّ "مهرجان شيراز - برسبوليس للفنون" رمزًا للانفتاح الثقافي الإيراني قبل الثورة، أعاد القيّم الفنيّ الإيراني الأصل والمقيم في لندن والي محلوجي، إحياءه بعد عقود من النسيان، من خلال معرض أقيم في "مبادرة الفنون الآسيوية" في فيلادلفيا الأميركيّة. واستعان محلوجي بالصُّوَر والملصقات ومقاطع الفيديو الأصلية للمهرجان، حيث ضمّ المعرض حصيلة أكثر من عشر سنوات من البحث والتوثيق، ليعيد تقديم التجربة الفنية الغنيّة التي ميّزت المهرجان قبل "الثورة الإسلامية"، ولتسليط الضوء على دوره في تعزيز الحوار الفني بين إيران وبقية العالم.

أما اليوم، بعد مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران علي الخامنئي والتغييرات السياسيّة التي يمكن ان تحصل في البلاد، فيُطرح السؤال: "هل يمكن أن تشهد إيران عودة إلى الانفتاح الثقافي والفني الذي ميّز البلاد قبل الثورة؟".