تأكيد وفاة علي خامنئي ليس حدثًا عابرًا في دولة عادية، بل لحظة مفصلية في نظام قام منذ عام 1979 على فكرة الصراع المفتوح وإدارة التوازنات عبر حافة الهاوية. من يغيب اليوم ليس مجرد رجل، بل معادلة حكم جمعت بين العقيدة والبراغماتية، بين الثورة والدولة، وبين الطموح الإقليمي وحدود القدرة الواقعية.
على مدى أربعة عقود، صاغت إيران علاقتها مع الغرب بوصفها علاقة مواجهة سيادية. لم يكن الأمر صراعًا عرقيًا بين "فرس" و"غرب"، بل تنازعًا سياسيًا واستراتيجيًا على من يملك حق رسم معادلات الشرق الأوسط. قادت الولايات المتحدة مشروع ضبط الإقليم وفق مصالحها، فيما اختارت طهران أن تتموضع كقوة رافضة للهيمنة. أما الصدام مع اسرائيل فكان جزءًا من هذه البنية، عنوانه الصراع على النفوذ والردع المتبادل.
لكن الثابت في السياسة ليس الشعار، بل ميزان القوة. التطور التكنولوجي والعسكري الغربي، خصوصًا في مجالات الاستخبارات الدقيقة وأنظمة الاستهداف المتقدمة، أعاد تعريف مفهوم الردع في المنطقة. في زمن الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية والحروب غير المتماثلة، لم يعد الخطاب كافيًا لصناعة النفوذ. وهنا يبرز السؤال المركزي: هل تختار إيران الاستمرار في نهج التحدي المفتوح، أم تدخل مرحلة إعادة تعريف لأولوياتها، حيث تتقدم الدولة على الثورة؟
مرحلة ما بعد خامنئي ليست مجرد انتقال سلطة، بل اختبار لهوية النظام نفسه. هل يعاد إنتاج النموذج ذاته بقيادة جديدة حفاظًا على تماسك القاعدة العقائدية؟ أم تبدأ مراجعة هادئة تضع الاقتصاد والاستقرار الداخلي في مقدمة الحسابات؟ هذا السؤال ينعكس مباشرة على الساحات المرتبطة بإيران إقليميًا، لكنه يظل سؤالًا إيرانيًا أولًا وأخيرًا.
في لبنان، حيث الدولة منهكة اقتصاديًا ومؤسساتيًا، يصبح هذا التحول أكثر حساسية. لم يعد السؤال ما إذا كان حزب الله يمتلك السلاح، بل ما إذا كان يمتلك الظرف الإقليمي الذي يبرر دوره السابق. فالدور الذي توسّع في ظل قيادة خامنئي قد يجد نفسه أمام واقع جديد يفرض إعادة تموضع. القول إن الحزب "انتهى" قد يكون تبسيطًا مخلًا، لكن القول إن مرحلة فائض القوة قد انتهت يبدو أقرب إلى الواقع. الفرق بين الانهيار والانكفاء جوهري؛ الأول سقوط مفاجئ، والثاني تراجع تدريجي يعيد رسم حدود الدور. والمؤشرات توحي بأننا أمام احتمال انكفاء استراتيجي، لا اختفاء تنظيمي.
غير أن جوهر التحول لا يُحسم في بيروت، بل في طهران. فإذا اختارت إيران تخفيض سقف المواجهة وإعادة ترتيب أولوياتها، ستتبدل طبيعة انخراطها الإقليمي. أما إذا أعادت إنتاج خطاب الصدام ذاته، فستبقى المنطقة رهينة معادلة الاستنزاف الطويل.
الشرق الأوسط يدخل زمنًا مختلفًا. موت خامنئي ليس حدثًا معزولًا، بل مفصل في مسار طويل من إعادة تشكيل التوازنات. سقوط المسلّمات لا يعني سقوط الدول، لكنه يعني أن قواعد اللعبة تغيّرت. في مثل هذه اللحظات، لا تبقى الأدوار على حالها، ولا تستمر المشاريع بالزخم نفسه.
قد لا تكون الصورة النهائية قد اتضحت بعد، لكن المؤكد أن ما بعد خامنئي لن يشبه ما قبله. المنطقة تقف على أعتاب مرحلة تُعاد فيها كتابة خرائط النفوذ بلغة جديدة: لغة التكنولوجيا، والبراغماتية السياسية، وإعادة تعريف الأولويات الوطنية. وفي هذا السياق، لن يكون السؤال من يرفع الشعار الأعلى، بل من ينجح في التكيّف مع زمن التحوّل قبل أن تفرض عليه التحوّلات نفسها.
أستاذة جامعيّة