بعد 7 أكتوبر، عكس مفهوم "الحرب الأخيرة" في خطاب نتنياهو الاستراتيجي، تطلّعًا إلى إنهاء الصراع المرتبط بإيران وشبكة نفوذها بشكل حاسم، بدل الاكتفاء بإدارة دورات الردع المُتكرّرة. وارتبط هذا المفهوم بإمكانية إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمية عبر ممارسة ضغط عسكريّ ساحق على بيئة التهديدات الأساسية.
لذا، فإن مفهوم "الحرب الأخيرة" يختلف جذريًا عن الحروب المحدودة التقليدية، إذ يفترض ثلاث نتائج مترابطة: تدهورًا لا رجعة فيه في القدرات العسكرية للخصم، وانهيارًا أو تحوّلًا في هياكله الاستراتيجية، وترسيخ نظام ردع طويل الأمد.
عمليًا، تُظهر العملية العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران، التي سمّتها واشنطن عملية "الغضب الملحمي" وأطلقت عليها تل أبيب "زئير الأسد"، تقاطعًا مع هذه العقيدة على المستوى العملياتي. فتوسّع نطاق الضربات، واقترانها بدعم تقنيّ واستخباراتي أميركي، يُعززان احتمالية إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية ومنظومات القيادة والأصول البحرية، بما يقترب نظريًا من شروط "الحرب الأخيرة". وإن كان تحققها الكامل يظلّ رهن التحوّلات السياسية والاستراتيجية اللاحقة.
فالتدخل الأميركي لا يقتصر على تمكين القوّة فحسب، بل يوفر قدرات هجومية متطوّرة، وتفوّقًا في مجالات الاستطلاع والمراقبة، وعمقًا لوجستيًا يُعزز فعالية العمليات. كما يرفع مستوى الدمار الممكن إلحاقه بالأهداف المحصّنة. مع الإشارة، إلى أن أميركا تميل تقليديًا إلى ضبط التصعيد بدل الانخراط في حرب نظامية شاملة، ولا تخفي نزعتها الاستراتيجية إلى تجنّب سيناريوات الاحتلال المفتوح أو التورّط الطويل الأمد.
لكن احتمالية حدوث تحوّل في النظام داخل إيران تبقى المُتغيّر الأكثر غموضًا. لأن تغيير النظام يتطلّب انقسامًا سياسيًا داخليًا، أو تفكّكًا في النخبة الحاكمة، أو انهيارًا في الشرعية الشعبية، وهي ديناميات يمكن للعوامل الخارجية التأثير فيها، لكنها نادرًا ما تستطيع التحكّم بها. ومن هنا جاء توجّه الرئيس ترامب نحو الإيرانيين لإشراكهم في دفع التغيير داخليًا. أمّا قوله إنه يعرف "بالضبط" من يمكنه قيادة إيران لكنه لن يكشف اسمه، فلا يعني إعلانًا حرفيًا عن خليفة محدّد، إذ إن واشنطن لا تملك سلطة قانونية لاختيار قادة دولة أخرى، بل يُفهم من تصريحه أنه يلمّح إلى وجود شخصيات داخلية محتملة قد تكون أكثر انسجامًا مع المصالح الأميركية أو الغربية.
هناك أيضًا البُعد الاقتصادي والجيوسياسي، الذي يفرض قيودًا هيكلية على أي صراع يُصمّم ليكون "الحرب الأخيرة". فالنظام الإقليمي مرتبط بشبكة أسواق الطاقة، والمسارات البحرية الحيوية، والتحالفات الدبلوماسية الدولية، ما يجعل أيّ تصعيد واسع النطاق يؤدّي إلى اضطراب شامل في منطقة الخليج. هذا الاضطراب قد يؤثر على التوازن الاقتصادي العالمي ويزيد الضغوط على الأطراف المعنية للتفاوض وتهدئة التوترات.
بالتالي، ومع إمكان أن يؤدّي التفوّق التكنولوجي والتنسيق ضمن التحالف الإسرائيلي - الأميركي إلى دمار غير مسبوق في ساحة المعركة، تظلّ الشروط اللازمة لتحقيق نهاية استراتيجية حقيقية مُحدّدة: انهيار الإرادة السياسية للنظام الإيراني أو هزيمته الكاملة، تحوّل النظام وإقامة بديل مستقرّ، التوصّل إلى تسوية سياسية واضحة، وتفكيك شبكات الوكلاء. ومن دون تحقيق هذه العناصر، سينتهي الصراع بتوتر مُعلّق، وهي نتيجة لا تتوافق مع مفهوم "الحرب الأخيرة"، الذي يفترض وصول الصراع إلى نتيجة استراتيجية حاسمة ونهائية.
وعلى الرغم من أن الحملات الجوية الواسعة النطاق نادرًا ما تنهي الحروب بسرعة بمفردها، وهو الانتقاد الموجّه حاليًا إلى الحملة التي تشنّها أميركا وإسرائيل ضدّ إيران، إلّا أن هناك حالات تاريخية أدّت فيها هذه الحملات دورًا حاسمًا في إنهاء الصراعات.
ومن الأمثلة الحديثة على استخدام القوّة الجوّية لإجبار الخصم على تنازلات سياسية من دون غزو بريّ، حرب كوسوفو، حيث فرضت حملة "الناتو" الجوية التي استمرّت 78 يومًا، ضغوطًا كبيرة على قيادة جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية في بلغراد. فقد أدّى القصف المستمرّ للبنية التحتية، والأصول العسكرية، والأهداف السياسية، إلى جانب الضغوط الدبلوماسية، إلى انسحاب صربيا من كوسوفو. ويجدر التذكير بأن هذه الحملة، التي حظيت بدعم غير مسبوق وشاركت فيها أميركا، التي كان يرأسها بيل كلينتون، وعدد من الدول الأوروبية، وُصفت بأنها "غير قانونية" لأنها لم تحصل على إذن من مجلس الأمن الدولي.
تلك الدول الأوروبّية لا تقف حاليًا إلى جانب أميركا، بل تُركّز على الوجه القانوني للحملة العسكرية ضدّ إيران، رغم أن تطوّر الصواريخ الباليستية الإيرانية العابرة للقارات يُشكّل تهديدًا مباشرًا لها. ومن الواضح أن النشاطات الإرهابية التي تنفذها "قوة القدس" تزيد المخاطر على أوروبا وتضغط على أمنها بشكل ملموس.
وبالتالي، يظلّ التوازن بين التهديدات العسكرية والإرهابية والاعتبارات القانونية الدوليّة محور التحدّي الاستراتيجي أمام القوى العالمية.