المهاجرون يرفعون أسهم اليمين الألماني المتطرّف

4 دقائق للقراءة
متظاهرون يحملون لافتة كتب عليها "نحن الشعب" في كيمنتس (أرشيف)

رياح التغيير السياسيّة بدأت تعصف بألمانيا مع بروز حركات يمينيّة متطرّفة وصعودها بشكل قوي وسريع في السنوات الأخيرة، وبخاصة في شرق البلاد، حيث ما زال تمثال عملاق لكارل ماركس يُهيمن على وسط مدينة كيمنتس في ألمانيا الشرقيّة سابقاً، لكن بعد ثلاثة عقود على سقوط جدار برلين العام 1989، فإنّ اليمين المتطرّف هو الذي يُرسّخ موقعه في هذه المنطقة ويُعزّز صفوفه في الأوساط الشعبيّة، وسط الآمال التي خيّبتها إعادة التوحيد، خصوصاً بعد أزمة تدفّق المهاجرين بطريقة عشوائيّة.

وفي هذا الإطار، قالت هايدي هينغ (70 عاماً)، وهي تُشير إلى مجموعة من المهاجرين الجالسين في حديقة عامة: "يتصرّفون وكأنّ ألمانيا ملك لهم، حتّى أنّهم لا يدفعون بدل إيجار"، مضيفةً وعلامات التعجّب بادية على وجهها: "يحصلون على 200 يورو عن كلّ طفل، وغالباً ما يُنجبون سبعة أولاد!"، في حين أكّد أولاف كونجر، وهو في الـ62 من العمر، أن "عدد اللاجئين الحقيقيين بين هؤلاء ضئيل جدّاً، معتبراً أنّهم "يستفيدون من دولتنا"، ومندّداً بـ"غزو" من قبل الأجانب.

وتتركّز في كيمنتس وحدها، التي يُطلق فيها حزب "البديل من أجل ألمانيا" حملته في هذه الأيّام، كافة مشكلات هذه المناطق في ألمانيا الشرقيّة سابقاً، من كراهية الأجانب والاحباط حيال "النخب" وشعور التفكّك والاهمال. ويتوقّع أن تُسجّل الحركة المناهضة للهجرة في كيمنتس، كما في باقي مقاطعة ساكسونيا، مشاركة كبيرة في الاقتراع الأحد للانتخابات الاقليميّة، التي تُعتبر اختباراً صعباً للأحزاب التقليديّة ومؤشّراً لمدى تصاعد قوّة اليمين المتطرّف ولحجم تأثيره المرتقب على الاستحقاقات المستقبليّة. كذلك يُرتقب أن يتقدّم اليمين المتطرّف في مقاطعة براندنبورغ، ما سيُساهم في اضعاف حكومة المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل الهشّة أكثر، وسيُعقّد عمليّة تشكيل حكومات على المستوى الاقليمي.

وقبل عام في كيمنتس، أدّت جريمة قتل ألماني كان أحد منفّذيها لاجئ سوري حُكِمَ عليه والآخر عراقي لا يزال فاراً، إلى مواجهات عنيفة بين نازيين جدد ومشاغبين يساريين متطرّفين. وفي هذا الصدد، رأت باربارا لودفيك، رئيسة بلديّة المدينة الاشتراكيّة الديموقراطيّة التي تُعدّ 240 ألف نسمة أن "للمدينة الكثير لتُقدّمه، وهي مختلفة تماماً عن الصورة التي كُوّنت قبل عام". لكنّها اعتبرت في الوقت ذاته أن "هذه التظاهرات العنيفة كانت حقيقيّة"، مضيفةً: "هذا يؤلمني كمواطنة من كيمنتس". وأسفت وقتها لأن تكون مدينتها ارتبطت في صيف 2018 بـ"كارل ماركس والأعلام المتطرّفة والتحيّة الهتلريّة" خلال هذه التظاهرات.

وحشد تجمّع لألكسندر غولاند (78 عاماً)، الزعيم الرئيسي لحزب "البديل من أجل ألمانيا" السبت جماهير غفيرة. وأجّج غولاند خصوصاً مشاعر تفكّك ساكسونيا، إذ اتّهم الإعلام والسكّان في غرب ألمانيا بوصفها كـ"نقطة سوداء" و"منطقة لم تتحرّر من ماضيها" النازي. وقال أمام مئات الناشطين: "الحقيقة هي أن بولندا والمجر وساكسونيا"، التي تحرّرت جميعها من الحقبة السوفياتيّة السوداء، "هي القلب النابض للحرّية والمقاومة أمس واليوم". ولم يتردّد حزب "البديل من أجل ألمانيا" في المقارنة بين نضاله والنضال الذي أُطلق حتّى 1989 ضدّ الديكتاتوريّات الشيوعيّة.

وأصبح شعار "نحن الشعب" التاريخي، صرخة التجمّع الموالي للديموقراطيّة قبل انهيار الجدار وتحرّر ألمانيا الشرقيّة، من المواقف الرئيسيّة المعادية لميركل وسياساتها لاستقبال اللاجئين والحدود المفتوحة في 2015 و2016. وسقوط جدار برلين آنذاك، أزال ألمانيا الشرقيّة وحزبها الواحد وشرطتها السرّية، وسمح برفع المستوى المعيشي. لكنّه أدّى أيضاً إلى إغلاق كبير للعديد من الصناعات والمزارع غير التنافسيّة، ما تسبّب بفقدان وظائف وبهجرة الشباب نحو مناطق الغرب.

وبعد ثلاثين عاماً على سقوط الجدار، تبقى ألمانيا منقسمة: من جهة، سكّان الشرق الذين لا يزالون يُندّدون باستمرار وجود فارق في الثراء و"بتغطرس" باقي مناطق البلاد، ومن جهة ثانية، سكّان الغرب يُراقبون بحذر هذه المقاطعات الشرقيّة سابقاً، التي لا تزال تشهد بانتظام أعمال عنف منذ نهاية الثمانينات. وأكثر ما عبّر عن هذا الواقع المأزوم، ما كتبته أسبوعيّة "دي تسايت" في نسختها الأخيرة: "لماذا انقطع التفاهم بيننا؟".