الآن وقد تلقّى نظام الملالي في إيران ضربة قاصمة في اغتيال مرشده الأعلى وقصف مقرّاته الحسّاسة مع تصفية قادتها، يصحّ القول كما في لعبة الشطرنج، التي تطوّرت تاريخياً في بلاد فارس من منشأها في الهند، أن "الشاه مات"، رغم المفارقة في استعمال الكلمة في السياق الايراني السائد منذ خلع الثورة الخمينية للشاه محمد رضا بهلوي عام ١٩٧٩.
محور هذه المقالة هو ما يخصّ بلدنا الحبيب لبنان في ضؤ الانهيار المُرَشَّح للنظام الإيراني تحت وقع الضربات العسكرية الراهنة التي تكيلها له الولايات المتحدة وإسرائيل والتطوّرات التي ستتمخّض عنها بشكل زائد يوماً بعد يوم، وهو ما جاء ليضيف وهناً بعد وهن لذراعه "حزب الله" في لبنان أثر ما أصابه في حرب ٢٠٢٤ وما تبعها من أحداث متنوّعة منبثقة من اتّفاق "وقف الأعمال العدائية" الذي اُبرِمً في أواخر شهر تشرين الثاني ٢٠٢٤.
من نظرتنا السيادية والديمقراطية، ومن باب رأينا المتواضع، فإنه من المتوقع أن "يَحرُك"في لبنان "نظام جديد" (new order) سِماته هي الآتية:
١- على صعيد السيادة
أما وقد جاءت الفرصة التاريخية للبنان لكي يتحرّر من السطوة الإيرانية على مفاصل دولته وقراراتها ونُظُمِها الاجتماعية والاقتصادية والمالية والمؤسساتية، فإن المجال مُتاح، لا بل حُرٌّ تماماً، لكي يسترجع لبنان سيادته المطلقة على أرضه ويسير قُدُماً بعملية حصر السلاح في قواته العسكرية النظامية، ويستعيد اقتصار قرارات الحرب والسلم على حكومته الشرعية. زد على ذلك أن يخلو اقتصاده الوطني من أية دورة "دويلتية" موازية مُضِرّة، وأن تبسط الدولة سيطرتها الكاملة على مواردها، المعروفة منها وتلك غير المُستَكشَفة بعد، اضافةً الى تحكّمها غير المنقوص بعلاقات لبنان العربية والدولية، وذلك بما يتوافق مع الدستور اللبناني فقط لا غير.
٢- على صعيد الاستقلال
دخل لبنان اليوم مرحلة الاستقلال الخامس في أقل من قرن من الزمن، ما يعكس كم عانى بلدنا الصغير وأهله من حلقات عذاب شديدة التأثير والقساوة: الاستقلال عن الانتداب الفرنسي عام ١٩٤٣، والتحرّر من منظمة التحرير الفلسطينية وأخواتها عام ١٩٨٢، و تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي عام ٢٠٠٠، إضافةً الى الاستقلال عن الاحتلال السوري الفاقع عام ٢٠٠٥ وعن الاحتلال الايراني المُقَنَّع عام ٢٠٢٦.
خلال تلك العقود أيضاً عانى بلدنا الزاخر بالمقدّرات والمواهب وروح الانفتاح وحب العيش من ضياع تطلّعاته ومكانته بين الأمم المتقدمة في هذا العالم! إنما نحن اليوم في موقع يسمح لنا باسترجاع المنزلة التي نُحبّ لوطننا وبتبؤّ المرتبة التي تليق بتاريخه الضارب في القِدَم وبأبنائه المقيمين والمنتشرين الذين لا ينقطعوا عن تسجيل قصص نجاح باهرة في العالم في شتّى الميادين، لا سيما في مجالات التكنولوجيا والطب وسبر أغوار الفضاء.
٣- على صعيد الديمقراطية
هناك اليوم فرصة جدّية لأن تعود الديمقراطية لتزدهر في لبنان على غرار المستوى الذي عايشناه لغاية اندلاع الحرب الأهلية عام ١٩٧٥.
بالرغم من محاولات تسخيف الممارسات الديمقراطية في تلك الحقبة التي طالما قام بها الممسكون الخارجيون بالبلد وعملاؤهم الداخليون، فإنه كان لنا في لبنان، وبكل ثقة، نظام مُتاحٌ فيه للّعبة البرلمانية أن تُمارَس بين أكثرية وأقلية في مجلس النواب، علماً أن كلا الفريقين تميّز غالباً بتعدّدية لافتة من مختلف الطوائف والمذاهب ولا مكوّن من أطرافها السياسية تشدّق "بميثاقية" مصطنعة ومبنية على التنمّر والصلافة والترهيب والاستكبار.
لقد انتهت اللعبة المشوبة بتعطيل الحياة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبضرب المهل والاستحقاقات الدستورية بعرض الحائط عن طريق الخزعبلات المختلفة من نوع "بشكل استثنائي ولمرة واحدة" و "الديمقراطية التوافقية" و "تدوير الزوايا" التي أتت على البلد بالويلات وعلى المواطنين بالتفقير والتجهيل والتهجير.
و لقد آن الأوان لفئة "الأحرار" في كل طائفة ومذهب أن تنتزع مساحات التحرك خاصّتها و التي يكفلها الدستور في مجال حرية الرأي و التعبير، و في الوصول إلى الندوة البرلمانية دون أي تهديد أو ابتزاز لجمهور ناخبيها. وفي هذا ما سيساهم حتماً في التوصّل الى الانصهار الوطني المنشود المبني على الثقة المتبادلة واحترام الآخر.
وفي مجال الديمقراطية أيضاً أن يُصار إلى التقيّد بفصل السلطات واحترامها لحدود بعضها البعض بعيداً عن الشذوذ المُمارَس في هذه القواعد الأساسية. إذ لا يعقل في نظام ديمقراطي أن يعطّل رأس السلطة التشريعية عمل السلطة التنفيذية لتضاربٍ ما مع مصلحته أومصلحة فريقه ويتسبّب بالتالي في شلّ تحرّكات الحكومة الهادفة لخدمة المصلحة العامة.
لا بد للحكومة الحالية اذا أمكن، وللحكومة القادمة بالتأكيد أن تستحصل، على غرار ما حصل في عهد الرئيس فؤاد شهاب، على سلطة اصدار مراسيم اشتراعية، وذلك للاسراع في تحقيق الإصلاحات المتنوّعة المطلوبة، وللقيام بعملية "تطهير" للادارة العامة من المحسوبيات و الطفيليين الذين يرهقون موازنتها دون أية إنتاجية، ولمكافحة الفساد المستشري في كافة دوائر الدولة، ناهيك عن المتطلّبات الملحّة في مجال الاصلاح القضائي و تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص الإنمائية بين المناطق.
لا شك أن تحرّر هامش الحركة و العمل في كلٍ من المحاور الثلاث أعلاه من كل التأثيرات التي كانت تضغط سلبياً عليه هو الآن متاح وبشكل جلي ومطلق. ولا شك أيضاً أنه في انتظام أعمال هذه "السيبة" في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الوطن ما هو كفيل للتأكيد بحزم وقوة أنه قد آن الأوان ليحيا لبنان.
صاحب رأي سيادي مستقل