ما يجري في الإقليم لم يعد جولة عسكرية قابلة للاحتواء ضمن قواعد الاشتباك التقليدية، بل إعادة صياغة شاملة لمفهوم الردع والمسؤولية في الشرق الأوسط. المواجهة التي انتقلت إلى عمق القرار الإيراني لم تعد تُدار عبر مساحات رمادية أو عبر أذرع قابلة للإنكار، بل دخلت مرحلة تحميل المركز مسؤولية الأطراف، ورفع كلفة استخدام الوكلاء إلى مستوى يجعل استمرارهم عبئًا استراتيجيًا لا أداة نفوذ. في هذا السياق، لا يُسأل من يمتلك خطابًا أعلى أو قدرة إعلامية أكبر، بل من يمتلك قرارًا واحدًا واضحًا يتحمّل تبعاته كاملة.
لبنان يقف في قلب هذا التحول لا لأنه لاعب إقليمي مركزي، بل لأنه النموذج الأكثر وضوحًا لازدواجية القرار. بعد إطلاق حزب الله صواريخ على إسرائيل وما تبع ذلك من ضربات وتهديدات بتوسيع الاستهداف إلى قرى الجنوب والبقاع، انتقل البلد من موقع التحليل إلى موقع الدفع المباشر للكلفة. لم يعد الأمر احتمالًا نظريًا حول إمكان الانخراط، بل واقعًا عسكريًا يُدار خارج مؤسسات الدولة فيما الدولة تتحمل نتائجه السياسية والاقتصادية والأمنية. هنا لا يعود النقاش حول شرعية التوصيفات أو النوايا، بل حول حقيقة أن قرار استخدام القوة لم يصدر عن المرجعية الدستورية التي تمثل الشعب اللبناني بكل مكوناته.
المشكلة لم تعد في خطاب المقاومة ولا في تبريراتها الإقليمية، بل في أن أي تنظيم مسلح، مهما كانت شعاراته، لا يملك حق إدخال بلد بأكمله في مسار تصعيد عسكري دون تفويض وطني صريح صادر عن مؤسسات الدولة. عندما يُتخذ قرار الحرب خارج مجلس الوزراء وخارج الإجماع الدستوري، فإن الدولة لا تفقد هيبتها فحسب، بل تفقد معناها. الدولة التي لا تحتكر قرار السلم والحرب تتحول إلى غطاء قانوني لكيان عسكري موازٍ، وعندما يأتي الرد الإسرائيلي فإنه لا يفرّق بين سلاح الحزب والبنية اللبنانية، بل يعامل الجغرافيا ككل كجزء من معادلة الردع.
في زمن الردع الدقيق، الضربات لا تبقى محدودة ولا تبقى رمزية، بل تستهدف البيئة التي يُعتقد أنها تسمح بوجود التهديد واستمراره. إسرائيل تعلن بوضوح أنها تعتبر كل مصدر إطلاق هدفًا مشروعًا، ومع كل صاروخ يُطلق خارج سلطة الدولة تتسع دائرة المخاطر على المدنيين والبنية التحتية والاقتصاد الهش. لبنان الذي بالكاد يحافظ على استقراره المالي والكهربائي لا يحتمل أن يكون ساحة اختبار لمعادلات إقليمية لا يملك مفاتيحها. ومع ذلك، يستمر الواقع نفسه: قرار موزع، مسؤولية ضائعة، وكلفة تُدفع جماعيًا.
الأخطر أن تصوير هذا الواقع على أنه توازن ضروري أو ردع متبادل يحمي البلد لم يعد مقنعًا. الردع الحقيقي يفترض وحدة قرار ووحدة مرجعية، لا تعددية مراكز قوة. ما يجري اليوم يثبت أن لبنان لا يدفع فقط ثمن قرارات تُتخذ باسمه، بل يدفع ثمن غياب قرار كان يجب أن يمنع أصلًا استخدام أرضه منصة لتصفية الحسابات. الوطنية لا تُقاس بقرار الامتناع عن الحرب في لحظة معينة ولا بقرار إطلاقها في لحظة أخرى، بل بقبول الخضوع لمنطق الدولة الواحدة التي تمثل الجميع وتحاسب الجميع.
أمام هذا الواقع، لم يعد كافيًا توصيف الخلل أو الاكتفاء بلغة التحذير. المطلوب انتقال واضح من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة تصحيح البنية. ذلك يبدأ بإعلان حكومي صريح غير قابل للتأويل يؤكد أن قرار السلم والحرب اختصاص حصري للدولة اللبنانية، وأن أي عمل عسكري خارج هذا الإطار يشكل خرقًا مباشرًا للسيادة والدستور. ويتطلب الأمر تفعيلًا فعليًا لدور المجلس الأعلى للدفاع بوضع خطة تنفيذية لضبط أي استخدام للقوة خارج قرار المؤسسات الشرعية، وتثبيت الجيش اللبناني بوصفه الجهة الوحيدة المخولة حماية الحدود وإدارة أي اشتباك دفاعي. كما يستدعي إطلاق مسار سياسي داخلي واضح المعالم لإنهاء ازدواجية السلاح ضمن جدول زمني محدد يرتبط بمفهوم الدولة لا بتوازنات اللحظة، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي يثبت أن لبنان الرسمي لا يغطي أي عمل عسكري لا يصدر عن مؤسساته، وأنه متمسك بتطبيق القرارات الدولية كاملةً باعتبارها جزءًا من إعادة تثبيت مرجعية الدولة لا تنازلًا عنها.
هذه الخطوات ليست إعلان مواجهة أهلية ولا استهدافًا لبيئة بعينها، بل إعلان استعادة لوظيفة الدولة. الصراع الحقيقي ليس بين طوائف ولا بين جماعات، بل بين منطق الدولة ومنطق التنظيم المسلح. استمرار الوضع القائم يعني أن كل جولة إقليمية ستجد طريقها إلى القرى والمدن اللبنانية مهما تغيرت العناوين، لأن الجغرافيا التي لا تضبط قرارها تتحول تلقائيًا إلى ساحة مفتوحة.
التحولات الإقليمية الجارية لا تترك مساحات رمادية طويلة الأمد. إما أن يكون لبنان دولة بقرار واحد واضح يتحمل مسؤولياته أمام شعبه والعالم، أو يبقى ساحة تُدار بقرارات متعددة وتُستنزف عند كل اختبار. في الأزمنة الفاصلة لا يكفي أن نعلن أننا لا نريد الحرب، بل يجب أن نملك القدرة القانونية والسياسية على منعها. الدولة التي لا تحسم احتكارها للقوة يُحسم مصيرها عنها، والشعب الذي لا يُمثَّل في قرار السلم والحرب يتحول إلى رهينة معادلات لا يشارك في صياغتها.
لبنان اليوم أمام لحظة حاسمة لا تحتمل المراوحة، لأن ثمن القرار خارج الدولة مرتفع، وثمن غياب القرار داخلها أعلى. السيادة ليست شعارًا يرفع في مواجهة خصم، بل نظام حكم يحدد من يطلق النار ومن يتحمل النتيجة. وكل تأجيل لحسم هذا الواقع لا يعني إلا جولة أخرى تُدفع كلفتها من عمر البلد واستقراره.