فجر أمس، لم يُطلق "حزب الله" صواريخ فقط. أطلق رصاصة سياسية في صدر الدولة اللبنانية.
الولاء الذي يحكم البوصلة ليس لبنانيًا، لم تكن البوصلة السياسية والعسكرية يومًا موجّهة نحو حماية لبنان أو مراعاة حساباته الوطنية. لم يكن لبنان أولوية في قرارهم في أي مرحلة. دافعوا عن كل الساحات، وفتحوا الجبهات باسم كل القضايا، فيما تُركت أرضنا مكشوفة، تُستعمل منصةً وممرًّا ورسالةً في حروب الآخرين.
الرد الإسرائيلي جاء سريعًا، قاسيًا، محسوبًا ضمن عقيدة دفاعية واضحة. فهل يملك الحزب قدرات موازية تحمي كل لبنان؟ أم أنه زجّ ببيئته قبل غيرها في طرقات النزوح، تبحث عن ملجأ قد لا يكون موجودًا أصلًا؟
القرار لم يُبنَ على مصلحة الدولة ولا على سلامة شعبها، بل على حسابات إقليمية صافية مرتبطة بإيران، حيث يُحدَّد التوقيت هناك، ويُرسم السقف هناك، وتُدفع الأكلاف هنا في لبنان.
على مدى شهور من الاغتيالات والضربات التي طالت قياداته وعناصره، لم يُطلق "ربع صاروخ" دفاعًا عنهم. لم تُفتح جبهة، ولم يُعلن "ثأر"، حتّى حين كان الهدف الأمين العام السابق حسن نصرالله، لكن ما إن اغتيل المرشد الإيراني علي خامنئي حتى فُتحت الجبهة من الجنوب.
الحزب نفسه قال مرارًا إن تدخله في الحرب الإقليمية مرتبط بحجم الضربة الأميركية – الإسرائيلية على إيران وأن خامنئي خط أحمر. هذه ليست زلّة خطابية. هذا إعلان عقيدة. وكان يفترض بالدولة أن تتعامل مع هذا الكلام بوصفه إخبارًا صريحًا بنيّة وضع قرار الحرب خارج مؤسساتها، لا مجرد تصريح عابر.
السؤال اليوم ليس: هل ما جرى خرق لقرار الدولة؟ بل: ماذا تنتظرون بعد؟ الحزب أعلن مسؤوليته. تبنّى العملية. ربطها علنًا بسياق إقليمي. أليس هذا إقرارًا واضحًا بتجاوز الشرعية؟ أليس هذا سببًا كافيًا لاتخاذ القرار الأكبر: حلّ الحزب كتنظيم عسكري خارج القانون؟
محاولة استهداف رئيس كتلة نيابية بحجم محمد رعد، بغض النظر اذا نجحت أم لا، ليس رسالة أمنية للحزب فحسب، بل صفعة مباشرة للدولة في مؤسستها الأم، البرلمان.
حين يُقال "خارج عن القانون"، فالمعنى أن هناك مخالفة تستوجب إجراء. القانون لا يُناقَش مع من يخرقه، بل يُطبَّق عليه.
إلى متى تبقى الدولة تفاوض على "تطبيق القوانين" مع من يقرّر الحرب منفردًا؟ أي منطق هذا؟ وأي إدارة أزمة تُدار بهذا القدر من التردد فيما البلاد تُدفع نحو مواجهة مدمّرة؟
بيان مجلس الوزراء برئاسة نواف سلام وضع إطارًا واضحًا: حظر النشاطات العسكرية للحزب، تكليف الجيش تنفيذ خطة حصر السلاح شمال الليطاني، أمّا موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون كان حاسمًا في رفض إطلاق الصواريخ وتحميل مطلقيها المسؤولية. لكن العبرة ليست في النصوص، بل في التنفيذ: فإمّا أن يُترجم هذا الكلام إلى إجراءات حازمة وفورية، أو يتحوّل إلى بيان إضافي في أرشيف العجز اللبناني.
أما صمت رئيس مجلس النواب نبيه بري، في لحظة كان يُتداول فيها أنه لجم الحزب ومنع الرد، فهو موقف بحد ذاته.
نعم، الخوف مشروع. الخوف من انزلاق إلى مواجهة بين الجيش والحزب. الخوف من تفكك ما تبقى من مؤسسات. لكن الأخطر من التهويل بالحرب الأهلية هو التعايش مع ازدواجية "الحزب" كأنها قدر. التعايش لا يعني الاستسلام. واحتضان المكوّن اللبناني الآخر لا يعني السكوت عن سلاح خارج الدولة. وتحييد لبنان عن حروب الآخرين ليس شعارًا بل ضرورة وجودية.
"الحزب" خدع الدولة وجمهوره معًا. أقنع بيئته أن "الدفاع عن كل الأوطان شرف"، لكنه عند كل منعطف يختار كل الأوطان… ما عدا لبنان.
وفي لحظات السقوط الكبرى، لا تنفع البلاغة. ينفع فقط الحزم.