صدر أخيرًا كتاب "نهاية حزب الله وسائر الأصوليّات" للدكتور محمد علي مقلّد عن "دار سائر المشرق". قدّم له الشيخ عبّاس حايك الذي رأى أن الإصدار إشكاليّ في عنوانه، جريء في أطروحته، واسع في أسئلته. ويشير مقلّد في كتابه إلى أن تحليل الهزائم يقودنا "إلى حقيقة مفادها أن نهاية كلّ أشكال المشاغبة على الحضارة الرأسمالية، باتت أمرًا حتميًّا. هذه المشاغبة لم يبتكرها "حزب الله"، فقد دشنتها الحركة الشيوعية استنادًا إلى مقولات ماركسيّة وقرارات صدرت عن الأممية الثالثة، ثم التحقت بها حركات التحرر الوطني كافة وتيارات الإسلام السياسي. جعلتني هذه الحتمية أتردّد في اختيار عنوان الكتاب، فـ "حزب الله" قد يستمر تنظيمًا سياسيًّا لكنه لن يستمر كبُنية عسكرية ولو ظلّ مسلّحًا ببطولات مقاوميه في عملية تحرير التراب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي". في ما يلي فصل من الكتاب.
لطالما طُرح السؤال المغلوط عن علاقة "الشيعة" بالدولة ووجوب إصلاحها، فهل تشكّل المتغيّرات التي نجمت عن الحرب فرصة للقيام بخطوات عملية لإصلاح هذه العلاقة؟
يتفرّع عن هذا السؤال أسئلة أخرى من بينها، هل يتعلّق التباس العلاقة مع الدولة بالطائفة الشيعية وحدها؟ وما هي هذه الخطوات المختلفة التي تسمح بإصلاح هذه العلاقة دون الاصطدام الذي يحذر منه البعض؟ وكيف يمكن للدولة استعادة سلطتها في مناطق هيمنة "الثنائي" لتصبح العلاقة مباشرة بينها وبين مواطنيها؟
السؤال عن علاقة "الشيعة" بالدولة نابع من اعتقاد مؤرخين وسياسيين يفكّرون تفكيرًا طائفيًا ويتعاملون مع الدولة باعتبارها دولة طائفية، فيُبنى على هذا الاعتقاد استنتاجات محكومة بأن تكون هي الأخرى مغلوطة أيضًا. نظريًّا الدولة تبني علاقتها مباشرة بالمواطن، أما في لبنان فقد وقف ممثلو الطوائف وسيطًا في هذه العلاقة ثم تولى الأمر زعماء استنبتوا من الطوائف أحزابًا، وحوّلوا النائب في البرلمان من ممثل للأمة إلى ممثل للطائفة ثم إلى ممثل لزعيم الطائفة أو الحزب.
كان من نتائج ذلك قتل النطفة الديمقراطية وإعادة النظام اللبناني إلى مرحلته الاستبدادية، وأفضل تعبير عن ذلك في العصر الحديث، نظام الحزب الواحد الذي جسدته "المارونية السياسية"، ومن بعدها على التوالي كل من "الحركة الوطنية اللبنانية" ثم "الشيعية السياسية"، بمشروع سياسي ما لبث أن تغلّب على مشروع الدولة.
تولت الأحزاب القومية واليسارية وتنظيمات الإسلام السياسي مواجهة "المارونية السياسية" منذ "اتفاقية القاهرة" وقدّمت مشروعًا للإصلاح السياسي يقضي بتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني الذي "يحكم ولا يُحاسب" ونقلها إلى رئيس الحكومة السني الذي "يُحاسب ولا يحكم"، بحسب تعبير "الحركة الوطنية اللبنانية". أدت المواجهة إلى اندلاع حرب أهلية عام 1975 أطلق شرارتها الوجود الفلسطيني المسلح.
توقفت الحرب الأهلية، في ظل تراجع نفوذ الأحزاب القومية واليسارية، فلم يبقَ في الميدان سوى "الثنائي الشيعي"، مدعومًا من نظامَي الاستبداد الإقليميّ في سوريا وإيران، ومطالبًا بحقوق مماثلة للحقوق التي حظيت بها أحزاب الطوائف الأخرى، فظهر مشروع الشيعية السياسية، وهو المشروع الذي يمثل مصالح الحزبَين لا مصالح الطائفة، متذرِّعًا بالحاجة إلى السلاح الحربي لمواجهة الصهيونية، وإلى سلاح طائفي لمنافسة المارونية السياسية على التحكّم بأجهزة الدولة ومؤسساتها.
علاقة الدولة بـ "الشيعة" ليست سيّئة إذن إلا لأن "الثنائي" الذي يحتكر تمثيل الطائفة يحمل مشروعًا سياسيًا نقيضًا لمشروع الدولة. وبالتالي فإن تصويب العلاقة يقتضي تخلي "الثنائي" وكل الآخرين عن كل ما يتعارض مع قيام الدولة، دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص، دولة السيادة والمساواة والحريات الديمقراطية.
أما موضوع حصرية السلاح فعلاجه لا يستدعي الخوف من الصدام، لأن تجربة الحرب الأهلية علّمت اللبنانيين درسًا مفيدًا، فلا السلطة السياسية في وارد استخدام القوة ولا "حزب الله" راغب ولا هو قادر على خوض مثل هذه المغامرة. ولذلك فإن على الدولة أن تترك أمر تنفيذ الاتفاقات والقرارات الدولية إلى من وقع عليها، أي إلى "الثنائي" وإسرائيل والأمم المتحدة، فضلًا عن الولايات المتحدة التي لعبت دور الوسيط، ذلك أن الحكومة اللبنانية الحالية هي الوحيدة غير المعنية بأي توقيع، وعليها أن تتفرغ لتثبيت سلطتها، أولًا بمنع ظهور السلاح الحربي واستخدامه على جميع الأراضي اللبنانية، بما في ذلك المخيّمات الفلسطينية، وبذلك يتحوّل السلاح في المخازن إلى خرضة ويأكله الصدأ، وثانيًا بمعالجة أمر السلاح غير الحربي الذي قد يكون أكثر فتكًا من السلاح الحربي، ونعني به الطائفية التي ليست مرض النظام بل مرض أهل النظام. وثالثًا باستكمال عملية الإصلاح السياسي والإداري والمالي والاقتصادي الهادفة إلى استعادة الدولة من الميليشيات التي اغتصبتها.
حين طرحت الأممية على الأحزاب الشيوعية مهمّة التحرّر الوطني من الاستعمار كانت تقصد محاصرة الرأسمالية في أعلى مراحلها وفي عقر دارها من بلاد الإمبريالية، فيما كان الاستعمار، بصيغته الاحتلالية، يمرّ في مرحلة التلاشي، إذ كاد ينحصر نطاقه في فلسطين، ما جعلها قبلة المناضلين والمجاهدين في العالم.
غير أن الأممية أساءت تقدير قوة الرأسمالية التي اعتمدت، في مرحلة توسّعها الأفقي، أسلوبًا جديدًا للسيطرة، فلم يجد شعار لينين عن الشعوب المضطهدة مكانًا له على حلبة الصراع العالمي، لأن الاستبداد السياسي المحلي كان مصدرًا لاضطهاد الشعوب أكثر مما كانته وحشية رأس المال، ولأن تجربة الأممية لم تقدّم لتلك الشعوب، خلال العقود الخمسة بعد لينين، نموذجًا مقنعًا تقتدي به وتحارب من أجله.
كما أنها أساءت تقدير قوة أنصارها من القوى القومية واليسارية الذين توسّلوا الانقلابات العسكرية للاستيلاء على السلطة، واستخفوا بِدَور إسلام سياسي لم يصدّق فحسب أن الرأسمالية شكّلت منعطفًا في التاريخ انطوت معه صفحة الحضارات الدينية، بل توهّم سير التاريخ القهقرى وعودة أيام الخلافة والصحابة على أنقاض "جاهلية القرن العشرين".
بعد هزيمة الاستعمار الفرنسي في الجزائر والأميركي في فيتنام احتشدت على حدود القضية الفلسطينية، الساحة الوحيدة المتبقية من تركة الاستعمار، قوات من اليسار الأممي بقيادة كارلوس والألوية الحمراء والجيش الأحمر الياباني وغيرها، واعتمدت خطف الطائرات والرهائن والاغتيالات أسلوبًا، فيما كان الإسلام السياسي ينتظر على حافة القضية ليستأنف نشاطه ويحمل رايته في حلبة سباق البدل، "الأممية" هي الأخرى، غداة انقلاب قاده المعمَّمون في إيران وبعد انهيار المشروع الاشتراكي ومنظومته السوفياتية وجناحه العسكري المصنَّف في خانة "الإرهاب الدولي". غير أن حلبة الطوفان والإسناد انهارت على المشاركين في السباق من أهل الممانعة عندما تحوّلت إلى بهورة خطابية وسوق في مزاد الإعلام.
يصعب تحديد المنتصِر في حرب غزة. حتى رئيس أميركا، عرّاب الاتفاق، ظهرت مواقفه وتصريحاته غير متوازنة ولا متزنة ولا متناسقة. من تهجير الفلسطينيين وتحويل قطاعهم إلى ريفييرا، إلى التعهّد بالمشاركة "شخصيًا" بإعادة الإعمار، ومن صورة صانع للسلام ونَيل جائزته إلى كاوبوي يهدّد بقتل من يخالفه الرأي، كانت صورته تتأرجح بين قائد ومهرّج. أما التطرّف الديني بجناحَيه الإسلامي واليهودي فسيُمنى، بحسب تقديرنا، بالهزيمة.
هزيمة حماس و "حزب الله" مدوّية. أما المتضامِنون، فخسارتهم أكثر فداحة لأنها مزدوجة. اليسار العربي، الفلسطيني منه في الطليعة، كان قبل هزيمتهما قد عاد من سفينة التحرّر الوطني بقوارب النجاة. صورة الإسلام السياسي تلطّخت بوحشية داعش وأخواتها، وتشوّهت بوعود عرقوبيّة أطلقها حكم الملالي لشعبه في طهران ولشعوب "الهلال الشيعي" المكسوف في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
على قاعدة، ربّ ضارة نافعة، تقدمت القضية الفلسطينية خطوة نحو حلّ الدولتَين وحظيت بمزيد من التعاطف، غير أن الإنجاز الأكبر تمثل بـ "بطلان موضة التنظيمات المسلحة" بحسب تعبير الصحافي عارف العبد، الموضة المولودة من رحم التحرّر الوطني والانقلابات العسكرية التي لم تستولِ على السّلطات فحسب، بل على اللغة أيضًا فصادرت اسم الثورة وشوّهت معناها.
نتائج حرب غزة منعطف كبير في تاريخ البشرية ستظهر آثاره في المديَين القريب والبعيد، بما يملي على الصادقين في نضالهم من أجل قضية فلسطين ومن أجل التقدّم والتحرّر في العالم، أن يعيدوا قراءة تجاربهم ويستفيدوا من أخطاء لم يكن لهم مفرّ من ارتكابها ومن أخرى كان بإمكانهم تفاديها.
أول الدروس المستفادة هو أن الاستبداد الداخلي السياسي والديني والحزبي أشد خطرًا من أي عدوّ خارجي. هو التربة التي ينمو فيها الجنوح إلى اختصار دَور السلطات بالتجسس على المواطنين وجنوح معارضيها إلى سلوك درب الفتنة والشرذمة وتعريض الوحدة الوطنيّة للخطر. ولا حلّ لهذه المعضلة إلا بالديمقراطية، ولا معالجة لنواقص الديمقراطية إلا بالمزيد من الديمقراطية.
إذا كان من الضروري أن يتعلّم الفلسطينيّون هذا الدرس، فعلى سواهم الإقرار بأن القضية الفلسطينية لا تخص الفلسطينيين وحدهم، فهي ذات أبعاد عربية ودولية وإنسانية في آن معًا، لكنها قضيتهم هم قبل سواهم، وبالتالي فإن على المتضامنين ألا يحلّوا محلّهم وألا ينوبوا عنهم بل أن يقفوا خلفهم ويدعموا وحدتهم وقرارهم المستقل.
الذين اعترضوا على الرأسمالية لم يروا فيها إلا بُعدًا واحدًا. اليسار الماركسي والقومي رأى وجهها الاستعماري ولم يقرأ ما قاله ماركس عنها في البيان الشيوعي حين لم يتردّد في تسميتها ثورة وحضارة. الإسلام السياسي اتهم علمانيّتها بتدمير السلطنة ونظام الخلافة، لأنه لم يقرأ في كتاب الإصلاح الديني في أوروبا عن أهمية خروج الدِّين من بطن السياسة، وعن دور لوثر وأتباعه في نقل أوروبا من العقل الغيبي إلى الأكاديميات ومن حضارة الأرض إلى المصنع ومن الأنظمة الملكيّة إلى الجمهورية.
أنظمة الاستبداد والجمهوريات الوراثية والانقلابات ومولودها "الكفاح المسلح" و "العنف الثوري" وضعت بلدانها في طريق مسدود وأمام أبواب موصدة حين رفضت الدخول إلى الحضارة الرأسمالية من بابها السياسي، أي الديمقراطية، ولم تجد غير الشغب و "العنف الثوري" أسلوبًا للاعتراض على الجانب الوحشي من تلك الحضارة أي على ما كان يُسمّيه اليساريون "العنف الرجعي".
لعلّ من الدروس المستفادة من حرب غزة أن مواجهة ناجحة ضد الجانب الوحشي من الرأسمالية تحتاج إلى غير الشغب عليها بوحشية مماثلة أو بعنف "ثوري" مقابل عنف رجعي، أو بالهروب منها إلى طوبى العدالة السماوية أو بالقفز فوقها نحو طوبى الاشتراكية، بل بالدخول إليها ومجابهتها من داخلها والاستفادة من إنجازات لم يتوقف عقل البشر عن صنعها بينما لا يكفّ عقل رأس المال وصراع المصالح والتنافس على السلطة عن تخريبها.
