الحرب التي يعيشها لبنان اليوم ليست صدفة عسكرية، ولا خطأ تكتيكيًا على الحدود، ولا ردّ فعل موضعيًا يمكن احتواؤه. إنها نتيجة مسار تاريخي - سياسي ممتدّ منذ أكثر من أربعة عقود، يقوم على حقيقة واحدة جرى التعايش معها طويلًا: سلاح "حزب اللّه" ليس قرارًا لبنانيًا سياديًا، بل جزءًا من منظومة تفاوض إقليمية تقودها إيران. وحين تتحرّك أوراق التفاوض في المنطقة، يُستَخدم لبنان ساحة ضغط ورسالة بالنار.
منذ مطلع الثمانينات، تأسّس "حزب اللّه" في ظلّ الحرس الثوري الإيراني، عقيدةً وتمويلًا وتسليحًا. لم يكن مشروعه محصورًا ضمن الدولة اللبنانية، بل مرتبطًا بفلسفة ولاية الفقيه وبمفهوم "وحدة الساحات" الذي يربط الجبهات ببعضها البعض وفق حسابات إقليمية. هذا الارتباط لم يكن يومًا تفصيلًا أيديولوجيًّا، بل هو جوهر بنيته السياسية والعسكرية. لذلك، لم يكن السلاح يومًا مجرّد أداة دفاع محلّية، بل كان عنصرًا ضمن شبكة ردع إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية.
ما نشهده اليوم يؤكد هذه الحقيقة بوضوح مؤلم. قرار إدخال لبنان في مواجهة عسكرية لم يُتخذ في مجلس الوزراء، ولم يُعرض على مجلس النواب، ولم يُستفتَ عليه اللبنانيون. ومع ذلك، كلّ لبنان يدفع الثمن. الجنوب يتعرّض لقصف واسع، الضاحية الجنوبية تعيش تحت تهديد دائم، البقاع في دائرة الاستهداف، والمناطق الأخرى تعيش حالة شلل اقتصادي وقلق وجوديّ. ملايين اللبنانيين أصبحوا رهائن قرار لم يشاركوا في اتخاذه.
إذا كان السلاح ضمانة للبنان، فلماذا كلّما اشتدّت المفاوضات أو التوترات الإقليمية تشتعل الجبهة اللبنانية؟
وإذا كان قرار الحرب لبنانيًا، فلماذا لا يمرّ عبر المؤسسات الدستورية؟
الإجابة ليست معقدة، لكنها ثقيلة: لأن السلاح ليس مستقلًا عن حسابات طهران. وحين يكون السلاح ورقة تفاوض إيرانية، يصبح لبنان منصّة ضغط. تُطلق الصواريخ هنا، وتُرسل الرسائل هناك. يُقصف الجنوب، بينما تُدار الحسابات في عواصم أخرى. وهكذا يتحوّل الوطن إلى ساحة اختبار توازنات لا يملك قرارها.
فجر 2 آذار لم يكن حدثًا أمنيًا عابرًا، بل لحظة كاشفة. لقد ظهر بوضوح أن قرار السلم والحرب ما زال خارج الدولة اللبنانية، رغم كلّ البيانات الرسمية التي أكّدت مرارًا تحييد لبنان عن صراعات المنطقة. وهنا يصبح السؤال وجوديًا: ما معنى الدولة إذا لم تحتكر قرار الحرب؟ وما قيمة الدستور إذا كان يمكن تجاوزه في أخطر قرار يتعلّق بحياة الناس ومستقبل البلاد؟
لقد نصّ الدستور اللبناني بوضوح على أن قرار السلم والحرب من صلاحيات الدولة. هذا المبدأ ليس إجراءً شكليًا، بل جوهر فكرة الدولة الحديثة. فحين تحتكر الدولة السلاح، تضمن وحدة القرار، وتمنع تحويل الأرض إلى ساحة صراعات بالوكالة. أمّا حين يوجد سلاح موازٍ، بمرجعية خارجية، فإن السيادة تصبح منقوصة، والاستقرار يصبح رهينة لحسابات لا تخضع للمساءلة الوطنية.
اليوم، لم يعد النقاش حول حصر سلاح "حزب اللّه" سجالًا سياسيًا بين فريقين. لم يعد موضوعًا نظريًا حول مفهوم المقاومة أو الردع. لقد أصبح مسألة تتعلّق بوجود لبنان كدولة. فكل جولة تصعيد تؤكد أن ازدواجية السلاح تعني ازدواجية القرار، وازدواجية القرار تعني غياب الدولة. ومع غياب الدولة، يتكرّر السيناريو ذاته: قصف، نزوح، انهيار اقتصادي، واستنزاف اجتماعي.
إن استمرار الوضع الحالي يعني ببساطة أن لبنان سيبقى عرضة للحرب كلّما احتاجت إيران إلى تحسين شروط تفاوضها، أو إلى تثبيت معادلة ردع في مكان آخر. وسيبقى اللبنانيون يدفعون الثمن من أمنهم واقتصادهم ومستقبل أولادهم.
الحقيقة القاسية التي يجب الاعتراف بها هي التالية: هناك حرب في لبنان لأن هناك سلاحًا خارج الدولة يُستخدم كورقة تفاوض إيرانية. ولا يمكن لأي خطاب تعبوي أن يُخفي هذه المعادلة بعد اليوم.