لقد أثبتت الأيام الأخيرة، بما لا يترك مجالًا للشك، أنّ النظام المركزي والمنظومة السياسية ما استطاعا يومًا حماية الوطن، أو صون السيادة، أو اتخاذ قرارات حاسمة في اللحظات المصيرية. لم يعد الحديث عن أخطاء ظرفية، بل عن خلل بنيوي عميق يضرب في جوهر الدولة.
إضافةً إلى هذا الفشل العام، جاء إعلان الحرب من "حزب الله" بعد يومٍ واحد فقط من تأكيدٍ رسمي أنّ قرار السلم والحرب هو حصرًا بيد الدولة اللبنانية، ليشكّل الضربة القاضية للقيادة الحالية. في تلك اللحظة، لم يسقط تصريح سياسي فحسب، بل سقط منطق الحكم القائم نفسه. فعندما يُعلَن قرار الحرب على إسرائيل، فيما كانت السلطة طوال خمسة عشر شهرًا تمارس سياسة المراوحة والمسايرة مع "الحزب"، فإن ذلك يكشف تعثرًا بنيويًا خطيرًا، ويضع السلطة الحالية أمام انهيار فعلي وأمام فشل استراتيجي لا يمكن تبريره أو تغطيته بأي ذرائع سياسية أو واقعية.
التراخي والتحذيرات غير المأخوذة بعين الاعتبار
قبل 15 شهرًا، استقبل اللبنانيون خطاب القسم للرئيس بتفاؤل. كانت اللغة حازمة والرؤية واضحة والوعد صادق: استعادة الدولة، تثبيت احتكارها للاستخدام المشروع للقوة، إعادة بناء المؤسسات وحماية لبنان من التهديدات الوجودية.
وعززت الخطابات اللاحقة تلك الرسالة. كثيرون منا دافعوا عن الاستراتيجية. شرحنا أن التغيير لن يحدث بين ليلة وضحاها. قَبِلْنَا مَنْطِق أَنَّ الْمَعْرَكَةَ سَتُرْبَحُ "بِالنّقاطِ وعلى مراحِل، لا بِالضَّرْبَة الْقَاضِية". تحمّلنا التدرّج. دعمنا فكرة ثني النظام المختل ببطء بدل كسره بعنف.
حتى إننا أَيَّدْنَا قرارات الحكومة في السابع والتاسع من تشرين الأول، معتبرين أنها خطوات عملية أولى في مسار استعادة السلطة.
لكن الصبر ليس بلا حدود، والتدرّج لا يمكن أن يتحول إلى غطاء للجمود.
لقد وجَّه حلفاء دوليّون وشركاءُ إقليميّون تحذيرات متكرّرة، كما صدرت تحذيراتٌ من داخل لبنان نفسه. كانت المخاطر واضحةً، والرهانات وجوديّةً. ومع ذلك، لم تُعَدِّل السلطة التنفيذيّة مسارَها. لم تُصعِّدْ حين كان التصعيد مطلوبًا، ولم تُصحِّحْ حين كان التصحيحُ ضروريًّا.
هذا الفشل ليس نظريًا إنه فشل استراتيجي
كما حذّر كارل فون كلاوزفيتز بِقَولِهِ: "قد يظنّ أصحاب القلوب الطيبة… أن ثمة وسيلة بارعة يمكن من خلالها نزع سلاح… أو فرض هزيمة من دون إراقة الكثير من الدماء، وقد يتخيلون أن ذلك هو الهدف الحقيقي لفنّ الحرب. على قدر ما يبدو هذا الطرح جميلًا ومريحًا، فإنه وهمٌ ينبغي كشفه: فالحرب شأنٌ بالغ الخطورة، إلى حدّ أن الأخطاء الناجمة عن الطيبة وَحُسْن النيّة هي الأسوأ على الإطلاق".
لبنانُ لا يواجهُ اليومَ تحدِّيًا إداريًّا عاديًّا بل أزمةً بنيويّةً شاملةً
لا يمكن للسلطة أن تدّعي المفاجأة. فقد مُنحتم السلطة والفرصة تحديدًا لمواجهة هذه التحديات وحظيتم بدعم ثابت من الشركاء الإقليميين والدوليين، إلى جانب تأييد شعبي واسع على المستوى الداخلي.
لكن ما شهدناه كان انجرافًا تدريجيًا. وبينما كانت السلطة تدير الأزمة بنوايا حسنة وبمقاربة يغلب عليها "اللطف السياسي"، متجاهلة النصائح والتحذيرات، كانت الوقائع على الأرض تتفاقم. فعلى سبيل المثال، النفايات بَقِيَت في الشوارع والحدود مع سوريا لم تُضبط والتهريب والفساد استمرا بلا رادع. وفي الوقت الذي فشلت فيه إداريًا وخدماتيًا، فشلت أيضًا في فرض السيادة الكاملة للدولة وتثبيت احتكارها للقوة، ورصدت مئات ملايين الدولارات تحت عنوان "إعادة إعمار الجنوب"، بكل ما يحمله ذلك من غموض، وشبهات فساد، واستمرار لآليات المحاصصة نفسها التي أوصلت لبنان إلى الانهيار.
إلى ذلك، لم تُعلّق السلطة على وزير مالية محسوب على محور حزب الله-أمل يمرر تعميمات تمسّ بالمشاعات المسيحية، في مشهد يعكس استخدام الدولة لخدمة مصالح فئوية ضيقة. كم من الإشارات تم تجاهلها؟ كم من المؤشرات مرّت بلا محاسبة؟ كم من المحاولات قُدّمت تحت عنوان "التوازنات" فيما كانت تضرب جوهر الدولة؟
لم يُؤخَذْ بالتحذيراتِ على محملِ الجدِّ، وعومِلَتِ النصائحُ كضغوطٍ، وأُبعِدَ المنتقدونَ بدلَ إشراكِهم.
النتيجة واضحة: الاستراتيجية فشلت. وعندما تفشل الاستراتيجية، يجب أن تتبعها المساءلة.
الحاجة لمساءلة حقيقية
على الحكومة أن تتحمل مسؤولية عجزها عن تحويل الرؤية إلى نتائج ملموسة. عليها أن تجيب عن إدارتها لتهديد وجودي يطال الدولة اللبنانية. عليها أن تبرر خياراتها في التعيينات وقراراتها التنفيذية وتسوياتها السياسية، كما عليها أن تفسر كيف أُعلن قرار الحرب من خارجها فيما كانت تؤكد أن هذا القرار حصري بيدها.
وإن لم تستطع أن تفعل ذلك بشكل مقنع فعليها أن تستقيل.
فالقيادة ليست رؤية فقط، بل تنفيذ وتصحيح مسار. الاعتراف بالفشل ليس ضعفًا، بل شرط للمصداقية. إعادة صياغة النهج ليست استسلامًا، بل ضرورة وطنية.
على السلطة أن تعترف علنًا بأن الإطار الحالي لم يُحَقِّق النتائج الموعودة وأن تغيّر فريق العمل وأن تعيد ضبط الاستراتيجية بِحَيْثُ تَكُون الْأَوْلَوِيَّةُ تثبيت مبدأ أن لا سلاح ولا قرار حرب خارج مؤسسات الدولة قولًا وفعلًا. أي مقاربة أقل من ذلك تعني الاستمرار في النهج نفسه الذي أثبت عجزه. هذا ليس نداءً للفوضى، بل نداءً لتحمّل المسؤولية.
الحاجة لإصلاح شامل
ما جرى ليس حادثة عابرة، بل نتيجة منطق سياسي قائم على مركزية مشلولة، ومحاصصة مزمنة، وتوازنات تعلو على منطق الدولة. النظام المركزي بصيغته الحالية أثبت عجزه عن إدارة التنوع، وضبط القرار السيادي، ومنع اختطاف الدولة من قبل قوى أمر واقع. الاستمرار في هذا الإطار سيعيد إنتاج الفشل نفسه مهما تغيّرت الأسماء.
لبنان لا يحتاج إلى خطب جديدة، بل إلى إعادة هندسة سياسية تعيد توزيع الصلاحيات والمسؤوليات بشكل يضمن المحاسبة الفعلية ويمنع احتكار القرار الوطني من خارج المؤسسات. الدولة لا تُبنى بالرمزية، بل بسلطة فعلية، ومؤسسات منضبطة، وربط واضح بين القرار والنتيجة.
هذا ليس نداءً للفوضى، بل دعوة لتحمّل المسؤولية على ثلاثة مستويات:
حكومة تستقيل بعد الفشل.
رئيس يعيد تشكيل فريقه بعد تعثر المسار.
نظام يُراجع جذريًا عندما يثبت عجزه البنيوي.
الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ