تُخطئ حسابات "محور الممانعة" منذ هجوم 7 أكتوبر حتى اليوم. من الواضح أن ملالي طهران وأذرعهم في المنطقة يواجهون أوقات عصيبة حاليًا مع استمرار التصعيد في الحرب وارتفاع احتمال دخول دول أخرى على خطّ المواجهة ضدّ طهران "المنبوذة" إقليميًا ودوليًا، بشكل مباشر أو غير مباشر. لن يمرّ العدوان الإيراني المستمرّ على دول الخليج العربية بلا ردّ، حال استمراره. ويبدو أن عواصم خليجية بدأت تدرس خياراتها العسكرية جدّيًا لتتخذ ما تراه مناسبًا وضروريًا لحماية مصالحها وبناها التحتية ومواطنيها والمقيمين فيها. وكان معبّرًا للغاية تذكير إسلام آباد، طهران، باتفاق الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية، في وقت قرّرت فيه دول أوروبّية، كبريطانيا وفرنسا واليونان، إرسال تعزيزات عسكرية دفاعية وهجومية إلى قبرص والمنطقة. كلّ هذه الأجواء تشي بأن رقعة الحرب قد تتسع وتزداد ضراوة.
وفيما سيوارى المرشد الأعلى علي خامنئي في مدينة مشهد في موعد لم يُحدّد بعد، كان لافتًا أمس استهداف مبنى تابع لـ "مجلس خبراء القيادة" الموكل انتخاب مرشد أعلى للجمهورية الإسلامية، في مدينة قم، علمًا أن المقرّ الرئيس للمجلس في طهران استُهدف الإثنين. وتضاربت الأنباء حول ضربة قم ونتائجها، وما إذا كان الهجوم قد استهدف اجتماعًا للتصويت على خليفة خامنئي. لكن الرئيس ترامب، الذي كشف أن طهران تريد التحاور لكن الآوان قد فات، تحدّث عن أن مسؤولين إيرانيين كبارًا لقوا حتفهم أمس، من دون الخوض في التفاصيل. ووجّه الجيشان الأميركي والإسرائيلي ضربات قاسية على أهداف مختلفة في أنحاء إيران، في وقت شنت فيه طهران هجمات صاروخية على إسرائيل، وأخرى مسيّرة على السفارتين الأميركيتين في الكويت والسعودية، والقنصلية الأميركية في دبي. وكشفت واشنطن أن نحو 9000 أميركي غادروا المنطقة منذ بدء الحرب، مشيرة إلى أن نحو 1600 أميركي يطلبون حاليًا المساعدة لمغادرة الشرق الأوسط، وأغلقت أميركا سفاراتها في دول عربية عدة حتى إشعار آخر.
قفزت أسعار النفط والغاز العالمية مع توقف حركة الملاحة إلى حدّ كبير عبر مضيق هرمز لليوم الرابع تواليًا أمس. هذا الأمر دفع ترامب إلى إصدار أمر لمؤسّسة تمويل التنمية الأميركية بتوفير تأمين ضدّ المخاطر السياسية وضمانات للأمن المالي لكافة التجارة البحرية، ولا سيّما الطاقة، العابرة عبر الخليج، وذلك بسعر معقول جدًا، مؤكدًا أنه "إذا لزم الأمر، ستبدأ البحرية الأميركية بمرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن". وتعهّد بضمان التدفق الحر للطاقة إلى العالم.
كما حسم ترامب أن جيش بلاده يمتلك ما يكفي من الأسلحة المخزنة لخوض الحروب "إلى الأبد"، موضحًا أن إيران تنفد من الأسلحة الحيوية، خصوصًا منصّات إطلاق الصواريخ. وأكد أن "كل شيء تقريبًا قد دُمّر" في إيران، لافتًا إلى أن طهران لم تعد تملك بحرية، ولا سلاح جو، ولا أنظمة إنذار جوي، ولا رادارات. وأبدى انفتاحه على العمل مع بعض الأعضاء الباقين من النظام الإيراني، مشيرًا إلى أن الحرب قد تستمرّ أربعة أو خمسة أسابيع، أو قد تنتهي خلال أيام قليلة أخرى. واعتبر أن قيادة إيران تتكوّن من "مختلّين عقليًا، غاضبين، مجانين ومرضى"، لافتًا إلى أنه لا يريد من الإيرانيين أن يتظاهروا حاليًا بسبب الضربات على البلاد. وأكد أن إسرائيل لم تجره إلى الحرب، مشيرًا إلى أنه قد يكون هو من جرّها.
وصرّح بأن لديه على الأقل اسمًا واحدًا كان يفكّر فيه كبديل، لكنه قُتل، بينما قلّل من احتمال أن يتولّى ولي العهد السابق المنفي رضا بهلوي قيادة البلاد، مشيرًا إلى أنه يفضّل أن يتولّى شخص من داخل إيران زمام الأمور، إلّا أنه شدد على أن "أسوأ سيناريو" بالنسبة إلى إيران سيكون إذا "تولى القيادة شخص سيّئ بقدر الشخص السابق"، في إشارة إلى خامنئي، في وقت أفادت فيه وكالة "مهر" الإيرانية بأن مجتبى خامنئي، نجل علي خامنئي، لا يزال على قيد الحياة ويتمتع بصحة كاملة ويراجع "قضايا مهمة" تتعلّق بالبلاد. وتحدّثت قناة "إيران إنترناشيونال" عن قيام "مجلس خبراء القيادة" تحت ضغوط من "الحرس الثوري"، باختيار مجتبى ليكون المرشد الجديد للنظام الإيراني. لكن لم يصدر بيان رسمي يؤكد صحّة هذا الأمر حتى كتابة هذه السطور.
وانتقد ترامب بريطانيا، واصفًا إياها بأنها "غير متعاونة للغاية"، على خلفية قرارها التخلّي عن السيادة على جزر تشاغوس التي تضمّ قاعدة دييغو غارسيا العسكرية المشتركة بين أميركا وبريطانيا، وقال ساخرًا إن "هذا ليس عصر تشرشل"، خصوصًا بعدما اكتفت لندن بالسماح لواشنطن باستخدام القواعد البريطانية "لغرض دفاعي محدّد ومحدود" ضدّ إيران. بالتوازي، أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، خلال إحاطة صحافية مع ترامب في المكتب البيضوي، أنه "نحن على الصفحة نفسها من حيث إبعاد هذا النظام الرهيب في طهران، وسنتحدّث عن اليوم التالي، وما الذي سيحدث بعد ذلك"، آملًا أن يقوم "الجيشان الإسرائيلي والأميركي بالأمور الصحيحة لإنهاء ذلك، وأن تكون هناك حقًا حكومة جديدة تعود إلى السلام والحرية"، بينما استدعت الخارجية الألمانية السفير الإيراني بهدف دعوة طهران إلى وقف الهجمات "العشوائية وغير المتناسبة" على دول المنطقة.
في الأثناء، أفادت القيادة المركزية الأميركية بأن قواتها استهدفت أكثر من 1700 هدف في إيران منذ بدء الحرب، ودمّرت مرافق القيادة والسيطرة التابعة لـ "الحرس الثوري"، وقدرات الدفاع الجوي الإيرانية، ومواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، والمطارات العسكرية. واتهمت القوات الإيرانية باستخدام منصّات إطلاق متنقلة لـ "إطلاق الصواريخ بشكل عشوائي"، في حين كشف الجيش الإسرائيلي أنه قضى على مجمّع قيادة النظام الإيراني المركزي وقادة النظام الذين كانوا متواجدين فيه، مشيرًا إلى أن المجمّع كان أحد أكثر المواقع تحصينًا في إيران. وتحدّثت وسائل إعلام مقرّبة من "الحرس الثوري" عن مقتل وزير الدفاع الإيراني الجديد مجيد ابن الرضا بعد اغتيال سلفه في "الضربات الافتتاحية" ضدّ إيران.
واستهدف الجيش الإسرائيلي مواقع صناعية يستخدمها النظام الإيراني لإنتاج الأسلحة في أنحاء إيران، كما استهدف عشرات الأهداف المرتبطة بمنظومة الصواريخ الباليستية، بما في ذلك منصّات الإطلاق ومواقع تخزين الصواريخ في أصفهان. كذلك استهدف منصّات إطلاق الصواريخ، وأنظمة الدفاع، وبطاريات الإطلاق النارية في غرب إيران. وأعلن أنه نفذ 1600 طلعة جوية فوق إيران، وأنه ألقى 4000 قنبلة عليها وأخرج نحو 300 منصّة إطلاق صواريخ عن الخدمة، منذ بدء الحرب.
في الغضون، أوضحت الإمارات أنها لم تتخذ أي قرار في شأن تغيير موقفها الدفاعي تجاه الاعتداءات الإيرانية المتكرّرة، مشيرة إلى أنها تعرضت لأكثر من 1000 هجمة، وهو عدد يفوق مجموع ما تعرّضت له كافة الدول المستهدفة مجتمعة. وأكدت احتفاظها بحقها في الدفاع عن النفس، بما يكفله القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وأطلقت إيران صاروخين على قطر، استهدف أحدهما قاعدة العُديد، من دون وقوع خسائر بشرية، في حين تمكّنت الجهات القطرية المختصة من إلقاء القبض على خليتين تعملان لمصلحة "الحرس الثوري" في قطر. ومع استمرار تعرّض دول الخليج العربية لهجمات صاروخية ومسيّرة، كرّرت طهران استهداف أراضي الوسيط العُماني، فقد أفادت وكالة الأنباء العُمانية بأنه جرى إسقاط مسيّرتين في أجواء محافظة ظفار، بينما سقطت مسيّرة ثالثة بالقرب من محيط ميناء صلالة. وبحث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي تتمتع بلاده بخبرات واسعة في التعامل مع المسيّرات الإيرانية، مع الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد، "سبل المساعدة في هذه الظروف ودعم حماية الأرواح".
وأفادت وكالة "رويترز" بأن السلطات العراقية أسقطت طائرة مسيّرة حاولت استهداف القنصلية الأميركية في أربيل، مشيرة إلى أن غارة استهدفت مقرًا لقوات "الحشد الشعبي" في بلدة بجنوب بغداد من دون تسجيل أي إصابات. كما أسقطت طائرة مسيّرة بالقرب من مطار بغداد. وزعمت "المقاومة الإسلامية في العراق" بأنها نفذت 27 هجومًا على قواعد "العدو" في العراق والمنطقة أمس. وادعى "الحرس الثوري" أن "مواقع الجماعات المناهِضة للثورة في إقليم كردستان العراق دُمّرت بإطلاق 30 طائرة مسيّرة"، فيما أكد حزبا "الديمقراطي الكردستاني" و "حرّية كردستان" الإيرانيين لـ "سي أن أن" وقوع الهجمات، لكنهما أوضحا أن عدد الطائرات المسيّرة المستخدمة كان أقل بكثير من 30.
أوروبيًا، أمرت فرنسا حاملة الطائرات "شارل ديغول" وطائراتها وفرقاطاتها المرافقة بالإبحار إلى البحر المتوسط، مؤكدة أنه "سنعمل على تشكيل تحالف لإعادة فتح وحماية طرق الملاحة". وكشفت قبرص، التي تعرّضت لهجمات بطائرات مسيّرة الإثنين، أن فرنسا سترسل أنظمة مضادة للصواريخ والطائرات المسيّرة، بالإضافة إلى فرقاطة. وحسم وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس خلال زيارته لنيقوسيا أن "اليونان حاضرة، وستظلّ حاضرة، لتقديم أي مساعدة ممكنة في الدفاع عن جمهورية قبرص". وجزم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بأن بلاده ملتزمة التزامًا كاملًا بأمن قبرص وبحماية أفراد الجيش البريطاني المتمركزين هناك، موضحًا أن لندن سترسل مروحيات مزوّدة بقدرات لمكافحة الطائرات المسيّرة، وأن مدمّرة الدفاع الجوي "إتش أم أس دراغون" ستُنشر في المنطقة. واستدعت الخارجية الإيطالية سفير إيران لديها من جرّاء الضربات على قبرص.
نوويًا، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية استهداف مداخل منشأة نطنز الإيرانية لتخصيب اليورانيوم، التي سبق قصفها، مشيرة إلى وقوع بعض الأضرار أخيرًا في مداخل المحطة. وذكرت أنه "لا يُتوقع حدوث أي آثار إشعاعية، ولم يرصد أي تأثير إضافي على محطة تخصيب الوقود النووي ذاتها، التي تضرّرت بشدة في صراع حزيران". وأكدت وسائل إعلام إيرانية عدم رصد أي تسرّب إشعاعي في منشأة نطنز، فيما كشف الجيش الإسرائيلي أنه هاجم المجمّع السرّي "مين زدائي" قرب طهران، حيث "عملت مجموعة من العلماء النوويين بشكل سري على تطوير مكوّن مركزي في منظومة السلاح النووي".
وعلى صعيد اتصالات بكين وموسكو، اللتين تبدوان عاجزتين عن مساعدة حليفتهما إيران، كشفت الخارجية الصينية أن الوزير وانغ يي أبلغ نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر هاتفيًا بأن بكين تعارض الهجوم على إيران وتطالب بوقفه فورًا، فيما أفادت الخارجية الروسية بأن الوزير سيرغي لافروف أجرى اتصالًا هاتفيًا مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي، وأبدى الوزيران استعدادهما لدعم حلول سلمية توافقية. وذكرت أن لافروف ناقش مع نظيره الإيراني عباس عراقجي تطورات الوضع في المنطقة، حيث حض لافروف على التوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، مبديًا استعداد موسكو لتقديم المساعدة.