المحامي محمد آصف ناصر

طوفان الخراب

8 دقائق للقراءة

كورنيت وميركافا، صواريخ نقطوية، F35، أم كامل، أسماء ومشاهد اعتدنا عليها، وأصبحت مكررة وممجوجة، تراكم عليها بنيان الوعي في بلادي.

ما زال هناك قلوب تخفق مع كل كورنيت، ولكن الحقيقة أن البيئة التي خذلها المكتب السياسي قد تعبت. لم ينصع الحج لأمر أمير المؤمنين في عهد الأشتر، بل وناوأ من سعى لتطبيق عهد الأشتر عبر التنمية بعد التحرير، وكان ولاء الحج دائم الارتباط خارج الحدود، وكان الجحود الفارسي عنوانه ورايته. جحود لم يستقم دون أن يغدر بدول الخليج العربي التي صرفت نفوذها واستثماراتها للحؤول دون الحرب، فكان أن رد لها الإسلام السياسي الجميل بنثر الخراب في واحاتها الغناء.

في كل خبر يأتي من دبي تحترق ذكرى من ذكريات العز في ضميري، وميناء جبل علي، المرفأ الحقيقي الوحيد من المحيط إلى الخليج تستهدفه نيران الخراب، هذا الحقد الشعوبي القديم يتفجر كل يوم، ويستهدف أمل العرب الوحيد بدخول العصر الحديث. الإسلام السياسي الأعجمي الحاقد على كل ما هو عربي يصمم على نشر الحريق الكبير، ومصمم على استلاب الذاكرة وقهر المستقبل كما يصمم على احتلال جزر "أبو موسى" و"طنب الكبرى" و"طنب الصغرى". في مول ابن بطوطة في دبي تجد جناح فارس، وفيه من المديح الكثير بفارس حتى أن من صمم الجناح ارتكب خطيئة بحق العرب فنسب اختراع الاسطرلاب للفرس فيما الثابت أن الاسطرلاب من نتاج الحضارة العباسية العربية. كانت دبي رئة إيران الاقتصادية وكنت تجد في خور ديرة وخور بر دبي الكثير من الفرس يعملون بحرية دون تضييق، كذلك المطبخ الفارسي فحاضر في مطاعم عدة كــ"دانيال" وغيره لاسيما "إيران زمين" لطالما تناولنا فيها وجبة الغداء في وسط دبي قرب مول دبي. تحمّلت الامارات الكثير في سبيل حفظ علاقات الود مع إيران وحافظت على خط الاقتصاد الفارسي، وكانت الاستثمارات الإيرانية والباكستانية والتركية في دبي تدر أرباحا هائلة على هذه الدول، لكن إيران لطالما تعاطت مع الامارات بحقد دفين وكانت دائما في الضفة المناوئة للحضارة العربية التي تجسدها رؤية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

في بر دبي، بالقرب من ديوان الحاكم تسمع "حي على خير العمل"، وفي شارع الوصل في الجميرا 1، ما يزال المستشفى الإيراني يعمل بكامل نشاطه وينشر على موقعه الالكتروني نعيا لولي الفقيه رغم صواريخ ولي الفقيه المتساقطة على دبي، ومن لا يصدق فليتحقق من موقع المستشفى الالكتروني: https://www.ihd.ae/

لم يعد بالإمكان تحمل إسفاف الإسلام السياسي، فذبابهم ملأ الفضاء الالكتروني صورًا مسيئة للعاملين في الامارات ولكل النخب التي تنشط في دبي، فالنسبة إلى جماعة الحق الإلهي المزعوم كل من يخالف رؤيتهم فاسق مارق ولا يهتمون إن اقترفوا إفكًا أو أكلوا لحم إخوانهم فهؤلاء في شبقهم للسلطة والمال تبرقعوا بالدين وفرضوا روايتهم وسرديتهم ورموا بالكفر كل من خالفهم: هؤلاء يزعمون احتكار ناصية الحقيقة وكل طرح يخالفهم أو لا يصفق لشموليتهم كافر.

حجة الإسلام السياسي الاعجمي والممانعة المزعومة في استهداف دول الخليج أن هذه الدول تستضيف قواعد عسكرية أميركية، فهل كانت المسيرات والصواريخ النقطوية باستهدافها فيرمونت بالم جميرة وبرج العرب وجبل علي ومطار دبي الدولي، تستهدف مواقعًا عسكرية؟ لم أشهد في هذه المواقع أي شيء غير الحياة وفرح العمل، لم ألحظ في رحاب تلك المدن إلا السكينة. أكثر من 50% من المجهود الحربي الإيراني استهدف مطاعم وفنادق ومرافق مدنية، وهذه المواقع تبعد عن المواقع العسكرية مسافات شاسعة ما ينفي احتمال الاستهداف عن طريق الخطأ: لكن مع مشاهدة الصور التي نشرها الذباب الالكتروني تذكرت كيف كان تكفيريو الثمانينات المدعومين إيرانيا في طرابلس يقتحمون المحال ويعتدون على سلوك الناس المدني. فاستهداف هذه المواقع المدنية لا يحمل أية قيمة عسكرية ولا استراتيجية سوى تدمير قيمة الحياة.

تدمير ممنهج انطلق في 07/10/2023 وتمدد حتى نشر الخراب من أقصى إلى أقصى، وبحجة الدفاع عن المسجد الأقصى هدمت كل مقدرات الدول، وما لم ينجزه طوفان الاقصى من خراب أجهز عليه طوفان الخراب الإيراني.

طوفان الخراب وطوفان الاستعلاء والاستكبار والغرور، ومروية الكورنيت والميركافا، ضاق الناس بها ذرعا، وتململ من تهدم بيته وضاع جنى عمره، وهو يهاجر من الجنوب إلى كل أنحاء البلاد، وضاق اللبنانيون ذرعا بالتكاتف والتضامن مع من سينقلب عليهم في اليوم التالي ويشهر إصبع التهديد في وجوههم ويشتمهم ويخونهم لمجرد الاختلاف معه بالرأي، ولكن:

صحيح أن الإسلام السياسي حقق من تدمير مقدرات المجتمعات في الشرق الأوسط ما عجز عنه العدوان، ولم تستطع إسرائيل بقوتها الفتاكة من تحقيق عشر معشار الخراب الذي ضمنه الإسلام السياسي، فحروب المسلمين والعرب فيما بينهم كانت أشد فتكا من حروب الصراع العربي الإسرائيلي، فالحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثمان سنوات، واجتياح الكويت وما تلاه ألحق أضرارا لم يكن بإمكان شارون تخيلها، هذا هو الصراع الحقيقي، وعليه إذا قرر الإسلام السياسي الإقليمي إسناد حزب الله عبر التدخل في لبنان تحت زعم نزع سلاح الحزب، فإن هكذا تدخل سيستحضر في الوجدان الشيعي ذاكرة كربلاء لتصطف البيئة المتململة حول الحزب، وليجد حزب الله حلفاء في الأفرقاء اللبنانيين الذين انفرطوا عنه، فتكون أكبر خدمة يمكن أن يؤديها أردوغان لحزب الله، أن يوعز إلى الشرع بأن يجتاح البقاع، وفي ذلك سيضمن أردوغان التفاف البيئة الشيعية والوطنية اللبنانية حول الحزب، وستجد كل التصريحات التي تتبرأ اليوم من الحزب وتناهضه ملتفة حوله في مواجهة الاجتياح السوري الجديد. حزب الله يحتاج اليوم إلى تماسك البيئة، واصطفاف الداخل معه، لكي يستمر الخراب وتتسع رقعة الموت، فبغير التفاف البيئة عليه سيضعف ويتهالك، وما كلام محمود قماطي عن التماسك المزعوم إلا من باب ذر الرماد في العيون، لكن هذا الكلام سيتحول حقيقة عندما يتدخل الجولاني، عندها فقط ستجد مجتمعا هاشميًا صلبًا في مواجهة غزوٍ أموي، وعندها فقط سيستعصي إيجاد حل لمعضلة الحزب، وعندها ستتسع رقعة الخراب إلى ما لا نهاية، ويتحول Pax Trumpiana إلى Inferno. هذا الجحيم سيستنزف قوى جميع اللاعبين، وسيبتلع في دوامة الخراب سنوات ولاية ترمب وجي دي فانس من بعده. من هنا على الإدارة الأميركية قبل أن تمنح ضوءا أخضر للجولاني للتقدم إلى مناقصة نزع سلاح الحزب، وقبل أن تنصت إلى تقارير توم باراك المنحازة، وقبل أن تمنح أردوغان ما يصبو إليه، أن تراجع Joel Rayburn والمؤرخين الاميركيين، فبدل من أن يستمعوا إلى المحامين من أمثال Mora Namdar، و Robert J. Palladino، يجب أن تقترن قراراتهم بلمسة ثقافية تفهم تعقيدات المجتمعات الشرق أوسطية، فلا يمكن أن تبقى سياسات المنطقة مؤسسة فقط على منطق القوة، والمصالح الاقتصادية الجافة، فهذه المصالح تخضع للحقائق الديموغرافية، ولا يمكن للإسلام السياسي أن يفرض تغييرا ديموغرافيا ولا أن يهجر ملايين البشر من قراها ومدنها حتى لو استدعى كافة الإيغور والشيشان ووطنَّهم في قرى أبيدت عن بكرة أبيها مثل المختارية في ريف اللاذقية التي لم يبق فيها إلا نذر قليل من أهلها وتم توطين البدو والايغور فيها بعد أن أبيد أهلها. هذا الواقع مهما عتا في غلوه وظلمه لا بد من أن ينقضي أمام الواقع المجتمعي، فلا ضمان للاستثمار ولا سلام إذا لم يتحقق أمن وطمأنينة السكان الأصليين، فهؤلاء ارتباطهم بأرضهم ارتباط عضوي، استمر رغم تغول آلة القتل العثمانية والمغولية وكل الغزاة الذين داست سنابك خيولهم هذه الأرض، ورغم حملات التغيير الديموغرافي التي اجتاحت الساحل الشرقي للمتوسط، وكان ذلك في أزمنة مظلمة لا توثيق فيها ولا كاميرا ولا وسائل إعلام، وكان التاريخ يكتبه المنتصرون الغزاة الذين انهزموا أمام حركية التاريخ المحكومة بالجغرافية وبالارتباط الجيني بين الأرض والإنسان، فأهل هذه الأرض، الذين يحلو للوافدين الغزاة تسميتهم بالأقليات، ثبتوا رغم كل الكوارث التي عصفت بهم، ورغم موجات الخراب التي صدمت الساحل الشرقي للمتوسط وانحسرت عنها، فمن أرتحششتا إلى ولي الفقيه، ومن شيبيو أفركيانو إلى توم باراك، ومن سليم الأول إلى أردوغان، عبرت موجات الغزاة سواحلنا كما يعبر الموج العاتي صخورنا الشاطئية، وانحسرت عنها كما انحسر الموج، وما زالت مجتمعاتنا الأصلية الوارد ذكرها في كتاب ولاية بيروت وفي ملحق القرار 60 ل.ر. تاريخ 13 آذار 1936، باقون في هذه الأرض كما صخورها، وغدًا عندما ينحسر طوفان الخراب ويبزغ فجر العصر الجديد، وتتأسس المنظومة العالمية الجديدة، ستلعب هذه المجتمعات دورها التكاملي الإنساني الاقتصادي ولن يستطيع الغزو الأعجمي من تغيير البنى الإنسانية في هذه الضفاف. هذا ما لم يدركه الكراكيب ومرجعيتهم الدينية، فهؤلاء نشأوا في ظل زمن غابر وظنوا أن قواعد ذلك الزمن المؤسسة على مفاهيم آخر إقطاعيي عكار صالحة لكل زمان ومكان، فيستقوون بالغريب على إخوانهم في المواطنة والهوية. غير أن الآتي هو انحسار طوفان الخراب وثبات الدولة اللبنانية، فهذه الدولة الضاربة في القدم منذ عهد أوغاريت وأرواد وجبيل وصيدا وصور، هذه الدولة المؤسسة على حق الانسان بالحياة والحرية والابداع، عليها وعلى تكامل مكونات هذا الشعب وفسيفسائه الجميلة المجتمعة دون أن تندمج في لون واحد يبنى مستقبل زاهر للإنسان والقيم الأخلاقية المتوارثة من اللحظة الأولى التي شهد فيها الفينيقي بوحدانية إيل، إلى اللحظة المؤسسة التي أعلن الرب أمام موسى هذه الجبال وقفًا لله، إلى أيامنا هذه، ستبقى هذه الجبال وهذه السواحل هيكل نورانيا يحتضن القيم الأخلاقية والإنسانية وسيبقى لبنان وطن الانسان.