الدكتور سايد حرقص

"حزب الله" ينتحر… وينحر الشيعة ولبنان معه

5 دقائق للقراءة

منذ نشأته في مطلع الثمانينيات، بطلبٍ من السيد علي خامنئي يوم كان رئيسًا للجمهورية الإيرانية، وفي ظل معارضة واضحة من الإمام محمد مهدي شمس الدين، كما يوضح المؤلف سعود المولى في عدد من مقابلاته التلفزيونية، نجحت دعاية "حزب الله" في تقديمه بوصفه حركة مقاومة تدافع عن لبنان في مواجهة إسرائيل، وتحمي الطائفة الشيعية من التهميش التاريخي. غير أنّ المسار الذي سلكه الحزب منذ خروج الجيش الإسرائيلي من الجنوب كشف وجهًا آخر: قوة عقائدية تسعى إلى إدماج لبنان قسرًا في مشروع “دولة الولي الفقيه”. وهكذا تحوّل مشروع “الحماية” تدريجيًا إلى عبء يرهق الشيعة والدولة اللبنانية معًا.

لا يمكن إنكار أنّ الحزب اكتسب شرعية واسعة في المجتمع اللبناني، بل والعربي، بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وتعزّز حضوره العسكري والشعبي إثر حرب تموز 2006، ولا سيما بعدما نجح في تأمين غطاء مسيحي ووطني عبر إغراء العماد ميشال عون بالسلطة، ما أدى إلى توقيع اتفاق “قاعة مار مخايل”. بعد أحداث 7 أيار 2008، تحوّل سلاحه إلى عنصر داخلي فائق التأثير، أدخل لبنان، بغطاء من التيار الوطني الحر وقوى الممانعة، في معادلة “الدويلة المهيمنة على الدولة”. إذ حُصر القرار الاستراتيجي في قضايا الحرب والسلم بيده، ما أضعف هيبة الدولة وأربك علاقاتها العربية والغربية على حد سواء.

ومع اندلاع الحرب السورية عام 2011، انخرط الحزب عسكريًا إلى جانب النظام السوري، مبررًا ذلك تارةً بحماية مقام السيدة زينب، وتارةً بحماية الحدود. غير أنّ الهدف الفعلي كان واضحًا: حماية النظام السوري بوصفه حلقة أساسية في “محور الممانعة”، وتأمين الشريان البري الذي يربط الحزب بإيران. هذا الانخراط بدّل صورته الدعائية، وحوّله في نظر كثيرين إلى ميليشيا طائفية متورطة في نزاع داخلي دموي، ما عرّض البيئة الشيعية نفسها لخسائر بشرية واقتصادية جسيمة. آلاف العائلات دفعت أثمانًا مباشرة، فيما تراجعت فرص الاستثمار والسياحة، واشتدت العزلة الخليجية، وتعاظم الانقسام الداخلي.

على الرغم من إخفاقه الواضح في ترجمة شعاره «نحمي ونبني» إلى واقعٍ ملموس، لا يزال الحزب يحتفظ بقاعدة شعبية وازنة داخل بيئته الحاضنة. إلا أنّ هذه القاعدة نفسها تشهد تململًا صامتًا يتسع تدريجيًا مع تفاقم الأزمات المعيشية والأمنية. وقد ازداد المشهد تعقيدًا مع إعلانه المفاجئ، قبل أيام، إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، في خطوة أدّت إلى تصعيد خطير وتهجير آلاف المواطنين من الجنوب هربًا من آلة الحرب. هذا التطور أعاد طرح أسئلة جوهرية لا يمكن تجاهلها: هل كان ما أقدم عليه الحزب قرارًا محسوبًا يخدم مصلحة بيئته ولبنان، أم اندفاعة سياسية وعسكرية غير مدروسة؟ هل ينسجم إطلاق الصواريخ مع مشروعه المعلن في «حماية الشيعة»، أم يعرّضهم لمخاطر مضاعفة؟ هل ما زال الحزب يتحرك ضمن رؤية مركزية منضبطة، أم أن تعدد مراكزه بات ينعكس تباينًا في القرار؟ ثم هل يعتقد أن إسناد إيران في لحظة إقليمية دقيقة قد يخفف عنها حجم الضغوط والضربات، ولو جاء ذلك على حساب الاستقرار الهش داخل لبنان وخصوصًا داخل بيئته الحاضنة؟ وهل ما زال هناك إنسان يعتقد أن "حزب الله" مقاومةٌ لبنانية، أم أن الجميع تأكّد أنه مجرد فصيلٍ في فيلق القدس يخدم فقط مشروعَ إيران في المنطقة؟

المفارقة أنّ مشروع “نحمي ونبني” تحوّل إلى مصدر دمار وتهجير وخطر دائم. فعندما يُربط مصير طائفة ووطن بمصالح إقليمية ضيّقة، يصبح أي خطأ في الحسابات تهديدًا جماعيًا. وحين يُختزل لبنان في دور ساحة صراع، يخسر الجميع: الشيعة الذين يُستنزفون بشريًا واقتصاديًا، وسائر اللبنانيين الذين يدفعون ثمن الانهيار والعزلة.

النقاش المطلوب اليوم مع شريحة واسعة من أبناء الطائفة الشيعية ليس تحريضيًا ولا إقصائيًا، بل نقاش وطني صريح ومسؤول: هل ما يقوم به "حزب الله" من انخراط متكرر في حروب وصراعات إقليمية هو خيار عقلاني يخدم مصالح بيئته ومستقبل أبنائها؟ أم أن المصلحة الحقيقية تقتضي استعادة القرار اللبناني إلى كنف الدولة، بعيدًا عن المحاور الخارجية وحساباتها؟

أليس من الأجدى أن يُصان مستقبل أولادكم حين تُصان كرامة اللبنانيين جميعًا عبر الاستثمار في التنمية والتعليم والاقتصاد، وبناء مؤسسات قوية تؤمّن الاستقرار وفرص العمل، بدل إبقائه رهينة منطق الحرب الدائمة؟ فالأمن المستدام لا يُبنى على فائض السلاح، بل على فائض الثقة بالدولة والقانون.

إن إنقاذ لبنان يمرّ حتمًا بإعادة الاعتبار لفكرة الدولة الواحدة، حيث لا يكون السلاح إلا بيدها، وحيث تحتكر المؤسسات الشرعية وحدها قرار السلم والحرب. وحدها الدولة القادرة والعادلة تحمي جميع أبنائها، من دون تمييز أو ارتهان. أما فائض القوة خارجها سيبقى عبئًا على الداخل وعامل توتّر في الخارج.

وهنا تكمن المأساة: حين تُختزل الطائفة في خيارات عسكرية لا تعبّر عن تنوّعها وحيويتها، يتحوّل ما قيل إنه حماية إلى استنزاف، وما سُمّي مقاومة إلى مسارٍ من الانتحار السياسي.

وعندها يمضي "حزب الله" في قيادة الشيعة ولبنان معًا نحو هاوية الانتحار الجماعي، دفاعًا عن مشروعٍ إيرانيٍّ يحترق وينهار كبرجٍ من ورق....