ليس من الجدية الادعاء أن جلسة لمجلس الوزراء تميّزت عن سابقاتها لسبعة عقود بوضوح رؤية وشجاعة قرار، تكفي للاستنتاج أن لبنان أسقط عنه مآسي نصف قرن. لكن، وللإنصاف، علينا الثناء على موقف "رجل دولة" صدر عن رئيس مجلس الوزراء أعلن فيه دون غموض أو تورية أن مجلس الوزراء اتخذ قرارًا بامتناع وزيري "حزب الله" عن التصويت وموافقة سائر الوزراء بمن فيهم وزيرا "حركة أمل"، بحصر "حزب الله" بـ "العمل السياسي ونزع أي دور أمني أو عسكري عنه". لكن الذروة بقناعتي تبقى في ما سرّب عن رد الرئيس سلام على اعتراض "ولي العهد"، قائد الجيش بعدم دستورية القرار، بأن على قائد الجيش التنفيذ وليس تقييم دستورية قرارات السلطة التنفيذية.
ولزيادة التأكيد تولى الرئيس سلام تلاوة البيان الوزاري بدلًا من وزير الإعلام وربما للمرة الأولى، لم تستعمل التوريات الممجوجة بل ارتكب كفرًا بقوله "الجهة الاسرائيلية". الموقف الشجاع أتى نتيجة انخراط "حزب الله" في العمليات العسكرية تبعًا لعقيدة "وحدة الساحات" و "محور المقاومة". الذي يقوده "الحرس الثوري الإيراني"، ثأرًا لمقتل آية الله العظمى علي خامنئي مرشد الثورة الإسلامية في مخبئه في طهران. ثأر "حزب الله" اقتصر على إطلاق 6 صواريخ على الكيان الصهيوني لم يصب أحد منها هدفه. فور القصف أنذرت اسرائيل سكان 53 قرية وبلدة جنوبية بالإخلاء الفوري، مضيفة أن "كل السيناريوات مطروحة بما فيها الاجتياح البري". ما دفع بآلاف المواطنين الجنوبيين إلى الطرقات، بعضهم بثياب النوم، متجهين نحو أي مكان، ولو افتقر إلى الضروريات، يأويهم وعائلاتهم.
وفي نفس الفترة وبناء على مبدأ "وحدة الساحات" أطلق "حزب الله" مسيرة لم تبلغ هدفها نحو قاعدة بريطانية في قبرص. كانت تلك أيضًا انتقامًا لاشتراك بريطانيا في العدوان على إيران، دون احتساب أثر ذلك على مصالح لبنان مع قبرص عضو الاتحاد الأوروبي.
أجمع الإعلام الذي غطى النزوح على صمت النازحين والكآبة من جراء اقتلاع لم يتهيأوا له وإقامة غير معروفة المدى في أمكنة لم تجهّز لاستقبالهم وتأمين حاجاتهم. إدراكًا منه لسوء تلقي قاعدته قرار المشاركة، تحرك "حزب الله" عبر عناصر تواصله الاجتماعي بشتائم لم تستثنِ أحدًا بمن فيهم هيئات لم تكن قط في عداد أعدائهم.
لا تفسير لتحرك "حزب الله" ذي النتائج الكارثية على بيئته، إلا الظن بأن إيران تخوض معركة وجود ضد أعداء يتفوقون عليها تقنيًا ومخابراتيًا وهما عماد الحروب الحديثة، فلم يبق لها سوى تحريك امتداداتها الإقليمية في معارك عبثية.
دليل آخر على عبثية مواقف إيران هو استهداف دول الخليج بوابل صواريخها وكلها دول التزمت الحياد. لا بل خدمة لإيران، جمّدت استعمال القواعد الأجنبية وحظّرت أجواءها.
لا خلاف على أن كفة الولايات المتحدة هي الغالبة حتى الآن. لكن ماذا عن عنصر الزمن؟ هل يعمل لصالح واشنطن أم لصالح طهران أم لصالح لبنان، والاخير يعنينا بالدرجة الأولى؟
إن سقط نظام ولاية الفقيه خلال أشهر، لنقل أربعة، تكون مصالح الولايات المتحدة قد تأمّنت إلى حين. أما إن لم يتبدل النظام في تلك الفترة، أو أن هدنة أو صلحًا أنهيا العمليات القتالية، فالانتصار الكبير سيكون من نصيب طهران. لماذا؟ لأن ثمة قاعدة أثبتها التاريخ أن أي حرب بين القوي والضعيف لا تنتهي بهزيمة تامة وساحقة للضعيف، تكون هزيمة تامة للقوي.
لماذا أربعة اشهر؟ ليس التوقيت عشوائيًا. بعد أربعة اشهر يتركز كل جهد في الولايات المتحدة على الانتخابات النصفية. من الممكن ان يخسر الجمهوريون الأكثرية في المجلس التمثيلي ما يقلّص إلى درجة كبيرة سلطات الرئيس بما فيها السياسة الخارجية وإعلان الحروب.
همّ آخر وهو متعلق بإيران. عرفت إيران ما يمكن أن يكون النظام الاستبدادي الذي لا يجاريه استبداد. تعمق استبداديو طهران بدراسة الأنظمة التوتاليتارية واستخلصوا منها عبرًا. تعلموا من السوفيات أن الشدة والعنف ضمان بقاء النظام وأن إصلاح "البيرسترويكا" انتهى بانهياره.
استخلصوا أيضًا أن البطش دون حدود وإعلانه للجميع، ضمان بقاء النظام. ما من نظام قمعي قارب استئصال الملالي للمعارضين وإطلاق الرصاص على رؤوس المتظاهرين وبعدها كان اقتحام المستشفيات بحثًا عن مصابين. أي مصاب بطلقات نارية يعدم فورًا وفي فراشه.
هناك أيضًا طبيعة النظام. إنه ليس حكم الجنس المتفوق ولا حكم الطبقة العاملة. إنه ليس حتى حكم الخليفة العثماني أو الشاه الصفوي وهما حكمان يلتمسان فتاوى شيوخ الإسلام أو مراجع التقليد. أما ولاية الفقيه فهو حكم لا محاسبة قط فيه لأي إنسان. حكم ذو علاقة صوفية بين الفقيه وصاحب الزمان، المهدي المنتظر، يتلقى الفقيه منه توجيهات تحضّر ظهوره.